Posts Tagged ‘مذكرات فلسطيني’

أنا والموت.. ذكريات مؤلمة من فلسطين

10/02/2017

رحيل

الذكريات في وطني تعيد نفسها كثيرا.. بل تفرض نفسها فرضا..
لكنها.. ليست ككل الذكريات..
هي أليمة حزينة.. ترتسم على الأزقة والجدران..
ترتسم على المنابر والمحابر..
ترتسم على وجوه تسبح في براءتها..
ترتسم على وجوه أرهقها الحنين والفراق..
الذكريات في فلسطين أكبر من أن تحتويها ذاكرة وأصعب من أن يحملها قلب..
ومع ذلك هي محفوظة كالنقش في الحجر.. لا تزول أبدا..
كمواطن فلسطيني عادي، شهدت الموت بنفسي مرات ومرات كثيرة واصيب واستشهد قربي وامام ناظري كثير.. مواقف لا انساها أبدا.. وهل يُنسى الأسى!
مدرسة حوارة الثانوية
كنت طالبا في الصف الثامن عام 2002 على ما اذكر.. كانت انتفاضة الأقصى ملتهبة وقتها بسبب زيارة رئيس الوزراء الصهيوني شارون وتدنسيه لباحات المسجد الأقصى، وكان قد مر على الانتفاضة عام كامل تقريبا.. سقط خلاله مئات الشهداء والاف المصابين..
كانت مدرستي تبعد قريبا من كيلومترين عن بيتي، وبلدة حوارة التي اعيش فيها يشقها شارع عام يمر منه المستوطنون الصهاينة.. وهو ذات الشارع الذي كنت اسير فيه يوميا للوصول إلى المدرسة.. وفي أحد الأيام وعند وصولنا الى مفترق المدرسة قام مجموعة من الطلاب بالقاء حجارة على سيارة احد المستوطنين كردة فعل طبيعية للجرائم الصهيونية التي كانت تشهدها كل أرجاء فلسطين.. وما ان اصطدمت الحجارة بالسيارة حتى فر جميع الطلاب باتجاه المدرسة التي كانت تبعد تقريبا 50 متر  وكنت من ضمن الفتيان الهاربين باتجاه المدرسة عندما سمعت صوت اطلاق نار متتابع يصم الاذان.. وكنت اسمع صوت ارتطام الرصاص من حولي..
لا زلت أذكر جيدا صراخ الطالب الذي كان يركض بجانبي ” تصاوبت.. تصاوبت” كنت انظر اليه وانا اركض واظن انه يمزح، وافكر كيف يمكنه الركض وهو مصاب.. كان يضع يده على بطنه وهو يصرخ.. فنظرت إلى ظهره فإذا بقعة كبيرة من الدماء تغطي زيه المدرسي.. وكانت رصاصة متفجرة حاقد اخترقت ظهره واصابت اعضاءه قبل ان تخرج من بطنه وتصيب طالبا اخر.. كانت المسافة بيننا لا تتجاوز مترا ونصف.. لا أكذب حين أقول انني تمنيت ان أكون مكانه حينها لا أدري تمام لماذا..
الحمد لله شفي بعد عدة عمليات جراحية استمرت عدة سنوات..

طريق تل- نابلس

كنت حينها طالبا في الصف العاشر.. عام 2004 وكانت احداث الانتفاضة لا زالت ملتهبة والطرق بين المدن مغلقة بالحواجز والسواتر الترابية.. قرر والدي يومها الذهاب لمدينة نابلس التي لا تبعد عن بلدتي سوى 7 كيلومترات، كانت الرحلة تستغرق حينها عدة ساعات عبر الجبال والوديان.. كان الناس كثر.. بينهم طلاب الجامعات والمعلمون والمحامون والمرضى والعاملون وكل اصناف المجتمع.. كلهم يريدون صعود ذلك الجبل كي يتجاوزوا حاجزا نصبه الاحتلال ومنع الناس من المرور.. وقبل ان نبدأ صعود الجبل انهمرت علينا قنابل الغاز المسيل للدموع.. سقطت احدى القنابل مترين او ثلاثة قربنا.. وقبل ان تنفجر وتبدأ بضخ غازها السام المؤلم صاح أحدهم ” واحد منكم يرميها بعيد بسرعة!” مع انني كنت صغيرا وقتها وكان هناك عشرات الرجال حولي شعرت وكأنه واجبي.. واجبي وحدي.. قفزت الى المكان الذي سقطت فيه وكانت في شجيرة شوكية صغيرة على جانب الطريق الذي يقف فيه الناس وكان المكان مرتفعا عن الشارع مترا تقريبا.. اقتربت منها سريعا ومددت يدي لاتناولها.. لكن! لم يسعفني الوقت، انفجرت وانبعث الغاز دفعة واحدة في وجهي.. ولا أذكر ما حصل أبدا حينها، فحسب ما قالته جدتي التي كانت ترافقنا يومها فإني قد فقدت الوعي مباشرة قبل ان اسقط إلى الشارع، حيث انني استنشقت كمية كبيرة من الغاز السام الذي كاد يودي بحياتي، وتم نقلي الى الاسعاف واستعدت وعيي وصحتي والحمد لله بعد عدة ساعات..
أحداث كثيرة حصلت اثناء داراستي في الثانوية نجوت من كثير منها بأعجوبة، وما ان التحقت بالجامعة حتى اعقلني المحتل واودعني سجونه لعامين وفي تلك الفترة بين عامي 2007 و 2009 هدأت الأحداث نسبيا في الضفة الغربية..
وفي الأعوام القليل الماضية شهدت الموت مجددا أمام ناظري..
اصعبها استشهاد الأخوين والصديقين خالد عودة وطيب شحادة الذين قُتلا امام عيني وقربي.. وكنت قد  كتبت عنهما بشكل منفصل..
وغيرها مما أوجع قلبي وفطر فؤادي وانا مكتوف اليدين..

   سبتمبر 2015 – مدخل نابلس الغربي

 كنت متوجها بسيارتي ليلا برفقة عائلتي إلى مدينة نابلس من الجهة الغربي وقبل مفترق قوصين تفاجئنا بتوقف السير امامنا بثلاث او اربع سيارات بعد صوت اطلاق نار، ترجلت من السيارة لأرى جيبات عسكري اسرائيلية تقيم حاجزا على الطريق، سألت أحد الاشخاص الذين كانوا متواجدين في المكان فأجاب ان الجنود اطلقوا النار على احد السيارات واشار اليها، فانفجر قلبي من الألم عندما علمت ان احدهم مصاب داخل السيارة.. حاولت الاقتراب من السيارة فمنعني الجنود واشهروا اسلحتهم في وجهي وصاروا يصرخون بأعلى صوتهم.. بدأت أتصل بأصدقائي من الصحفيين في الوقت الذي وصلت فيه سيارات الإسعاف.. فقام الجنود أيضا بمنع المسعفين من الاقتراب من المصاب.. فحاولت اقناع المسعفين بعدم الانصياع للجنود وقلت لهم سنقترب جميعا من السيارة رغم انف الجنود ونأخذ المصاب.. لكنهم لم يجازفوا لان الجنود كانوا على استعداد لاطلاق النار على اي شخص يقترب.. وبعد انقضاء حوالي نصف ساعة قام مجموعة من الجنود باخراج المصاب من السيارة على نقالة وادخلوه احد الجبيات العسكرية قبل ان ينقلوه إلى جهة مجهولة.. نظرت إليه بحزن عميق.. لا أدري أحزني عليه لأنه لا يحرك ساكنا.. أم حزني على نفسي لأنني أنا أيضا لم أحرك ساكنا!!
انسحب الجنود وفتحوا الطريق.. ومرت ايام قليلة وصورته لا زالت أمام عيني حتى علمت انه استشهد رحمه الله.. وعلمت انه من بلدة بيت فوريك

حاجز حوارة.. حاجز الموت

23/11/2015
كنت متوجها إلى مدينة نابلس بسيارتي عندما وصلت الحاجز سيئ الصيت والسمعة والذي سمي باسم بلدتي ” حاجز حوارة” حيث كانت هناك أزمة سيارات كبيرة وسط صراخ بعض الناس ان هناك شهيد.. تجاوزت بسيارتي عن مجموعة من السيارات لأرى مشهدا مؤلما جديدا يضاف إلى قائمة طويلة جدا.. وفي كل مرة أقول هذا المشهد هو الأقسى على قلبي.. كانت سيارة متوقفة الى يسار الطريق.. زجاجها الخلفي قد هشمه الرصاص.. واختار من بين ركاب السيارة رأس الفتاة سماح عبد المؤمن 18 عاما ليستقر فيه.. ليسقط رأسها على كتف امها.. ويسيل دمها الطاهر على أكف والدها وشقيقتها.. سقط رأسها وسقطت معه كل الرؤوس.. سقط معه رأسي وقلبي.. حملوها إلى الأرض ودماها تتدفق على الأرض التي سرقها المحتل منا.. والله ان الكلمات لتعجز عن وصف ذلك المشهد..  استشهدت سماح رحمها الله بعد عدة اسابيع في المستشفى.. وكان الرصاص قد اصابها عندما اطلق الجنود النار على شاب فلسطيني كان يمر بالقرب من الحاجز قتل هو ايضا..
سماح عبد المؤمن

التقطت هذه الصورة بكاميرا هاتفي في 23/11/2015 من مكان استشهاد الفتاة سماح عبد المؤمن عند حاجز حوارة

 

تلك الأحداث جزء من ذاكرتي التي لا أريدها ان تنسى، وكم من ذكرى مؤلمة حصلت على هذه الأرض..
إيــــــــــــــــــه يا فلسطين.. لك الله..
نسأل الله الصبر والثبات وأجر الرباط..
امين

شهداء حوارة خالد عودة والطيب ابو شحادة

24/07/2016
طيب أبو شحادة وخالد عودة
هي أرضنا المعطاء التي ما بخلت علينا يوما.. تستحق منا التضحية..
هي أخوة الدين.. ونصرة المظلوم وإعلاء كلمة الحق.. تستحق منا بذل الغالي والنفيس..
كما تمضي الأوقات السعيدة.. تمضي الأوقات الحزينة..
وكما تمضي ساعات البهجة والفرحة.. تمضي أيضا ساعات الألم والمحنة..
تمر الأيام بما فيها من خير وشر.. فمن رضي بقضاء الله تعالى فله الرضى.. ومن سخط فله السخط..
الذكريات في وطني تعيد نفسها كثيرا.. بل تفرض نفسها فرضا..
لكنها.. ليست ككل الذكريات..
هي أليمة حزينة.. ترتسم على الأزقة والجدران..
ترتسم على المنابر والمحابر..
ترتسم على وجوه تسبح في براءتها..
ترتسم على وجوه أرهقها الحنين والفراق..
 
 
بهذه الكلمات أفتتح الكتابة عن تلك الذكرى التي لم تغب عن مخيلتي.. وكيف تغيب وقد امتزجت فيها دماء المسلمين في غزة ودماء المسلمين في الضفة الغربية.. ودماء المسلمين في القدس المحتلة.. كيف تغيب وقد كنت شاهدا على همجية وعنجهية الإحتلال الصهيوني الذي قتل شابين يافعين من أخيار بلدتي حوارة..
لم تمض أشهر طويلة على حادثة الجمعة اليتيمة من رمضان، تلك الجمعة المباركة الحزينة.. حيث كانت القذائف تنهمر كالمطر على أهلنا في غزة.. وكانت الأحداث تتسارع.. والقلوب ترجو الله وتدعوه.. وتأمل خيرا في المجاهدين الذين أذاقوا اليهود الويلات وأبهروهم بعجيب صنيعهم من تكتيكات حربية.. وصناعات عسكرية.. وعمليات نوعية قضت مضاجعهم..
كنت في ذلك اليوم خطيب الجمعة في مسجد بلال بن رباح في بلدتي حوارة حيث كانت الخطبة عن نصرة غزة.. ثم قمنا بجمع التبرعات لأهلنا هناك بناء على طلب وزارة الاوقاف.. وسبحان الله كم كان كرم الناس رغم ان أكثرهم لا يثقون بالوزارة وبضمان وصول المال لأهلنا هناك إلا أنهم لم يبخلو بشيئ..
انقضت الصلاة وخرجت من المسجد، وقدر الله أن أمر بسيارتي من الشارع الرئيسي وسط البلدة، وأثناء مروري رأيت حشدا من الناس لا يتجاوزون العشرات تجمعوا بعد خروج المصلين من الجمعة في مسيرة سلمية نصرة لأهلنا في غزة.. وما أقصده بسلمية أنه لم تكن هناك أي نية مبيتة للقيام بأي أعمال مقاومة أو ما يسمونها بعنف ضد قوات الإحتلال وقطعان المستوطنين..
 

إستشهاد خالد عودة

أوقفت سيارتي على جانب الطريق.. ونزلت لأشارك في المسيرة.. وهو أقل ما نستطيع تقديمه.. وهناك التقيت بالشاب المؤدب المهذب خالد عزمي عودة ( رحمه الله)، سلمت عليه وسألته عن حاله، وكان مشرق الوجه، ومشينا سويا.. ولم نمش إلا امتارا معدودة حتى جاء مستوطن صهيوني بسيارته وأراد أن يمر من وسط المسيرة، والشارع يمر منه اليهود لأنه الطريق الوحيد لعدة مغتصبات صهيونية في المنطقة.. فلم يتمالك الشباب اعصابهم ومنظر أشلاء الاطفال والنساء في غزة تتراءى أمام أعينهم.. فانهالوا على سيارته ضربا بايديهم وارجلهم.. وفر كالجرذ مسرعا..
ثم بعدها بدقائق، مر مستوطن آخر.. وأراد ان يفعل ذات الشيئ.. فتفرقت المسيرة على طرفي الشارع.. ليس هربا وانما توزع الشباب لجمع الحجارة استعدادا لتحطيم سيارته.. واصابته فعلا بعض الحجارة قبل ان يعود مسرعا إلى الوراء.. وقتها شعرت أن الأمر أصبح أكثر جدية وخطورة حيث أن عشرات الرجال العزل يقفون في شارع مفتوح والمستوطنون يمرون بسياراتهم واسلحتهم، ويمكن لأي منهم أن يقوم بمجزرة بحق الناس.. ولم تكد الأفكار المتخاطرة تتوقف حتى عاد ذات المستوطن مسرعا مرة أخرى.. فتفرق الناس مجددا، لكن هذه المرة كان يقود السيارة بيد ويطلف النار بشكل عشوائي باليد الأخرى..
كان صوت الرصاص يصم الأذن.. فلم تكن المسافة بيني وبينه أكثر من ثلاثة أمتار.. وأول ما خطر في بالي أن إطلاق النار كان في الهواء ليس مباشرة على الناس.. لكن! ما إن نظرت حولي حتى رأيت الدماء على الأرض.. خلفي مباشرة.. رأيت خالد ملقى على الأرض.. وشاب آخر اسمه حسن يضع يده على رقبته والدماء تملأه.. واخر وآخر..
أسرعت إلى خالد، مسحت على وجهه، امسكت بيده، لم يكن واعيا.. كان الألم ظاهرا على وجهه.. قرأت عليه بعض الآيات قبل أن يحمله المسعفون ويهرعوا به إلى المستشفى..
وقتها التهب غضب الناس واشتد التوتر في البلدة.. وهرعت قوات كبيرة من جيش الاحتلال الصهيوني حيث اغلقوا الشارع الرئيسي بالكامل واندلعت مواجهات بينهم وبين الشباب العزل إلا من حجارة الأرض المباركة..
 
 
 
 
لم تمض ساعة حتى سمعنا بخبر استشهاد خالد رحمه الله تعالى.. وحينها أشتد غضب الشباب أكثر وبدأو برشق الجنود الصهيانة بالحجارة والزجاجات الحارقة وإلقاء الألعاب النارية عليهم..
 

إستشهاد الطيب أبو شحادة

 
كان مجموعة من الشباب مجتمعين في طرف الشارع وفي الطرف الآخر قوات كبيرة من جيش الإحتلال، لم تكن المسافة بين الطرفين اكثر من 100 متر.. كنت واقفا مع الشباب المجتمعين حين نزل شابين ملثمين أحدهما كان الطيب وألقيا زجاجات حارقة على الجنود انتقاما لخالد، فرد الجنود بإطلاق الرصاص الحي الذي كاد يصيب أحدنا، وأتبعو ذلك بزخة من قنابل الغاز المدمع.. ثم بعدها بوقت قصير قام مجموعة من الشباب بتوجيه علبة ألعاب نارية باتجاه الجنود وأطلقوها، فدب الرعب في قلوب الجنود الذي قاموا بإطلاق النار مباشرة على الشباب، جاء الطيب – رحمه الله – يجري من بعيد، مرتديا قناع ” الأنونيموس ” المشهور، وفي اللحظة التي كان الجندي يصوب سلاحه باتجاه السور الذي يختبئ خلفه الشباب وقف الطيب حاملا في يده الحجر ليلقيه، لكن قدر الله سبق! وكانت رصاصة الجندي الحاقد أسرع من الحجر.. فاخترقت رصاصة الغدر عين الطيب رحمه الله ليسقط والحجر في يده.. وفي نفس اللحظة انهمرت عشرات قنابل الغاز على المكان مما أدى لانعدام الرؤيا.. وبالكاد استطاع الشباب الموجودين سحبه..
سحبه الشباب إلى جانب بيت قريب، ويا للقدر العجيب، ان ذلك البيت كان بيته، فكان آخر العهد ان ينزف دمه الطاهر على عتبات البيت الذي تربى وعاش فيه حتى يكسيه هيبة وعزة الشهداء.. قال الشخص الذي كان بجانبه ” لم أعرف ماذا أفعل، فقد كان الغاز المدمع يحرق عيني، وعندما كشفت القناع عن وجهه كان ينزف بغزارة وقد فارق الحياة مباشرة، وما زاد هول الموقف أن ذلك حصل أمام عيني قريباته اللاتي كن يرقبن من سطح المنزل”..
سامر عودة 
 
 
إنها الشهادة.. فضل الله عز وجل الذي يؤتيه من يشاء.. هنيئا لمن يقتل في سبيل الله مناصرا لأخوانه المستضعفين في يوم الجمعة بعد أداء الصلاة وصائما لله تعالى.. والله إنه لفضل ونعمة.. فالله يصطفي الشهداء ويتخذهم.. وهي مرتبة لا ينالها أي أحد إلا من أحبه الله عز وجل..