Posts Tagged ‘قصة إسلامية’

من العاق؟ أنا أم أبناؤه .. قصة خيالية تجسد الواقع المرير

24/07/2016

من العاق؟ أنا أم أبناؤه .. قصة خيالية تجسد الواقع المرير

 

من العاق أنا أم أبناؤه

لم يتبق سوى يومين على قدوم عيد الأضحى .. ذاك العيد المبارك الذي يعم فيه الخير والبركة ويدخل فيه السرور على قلوب الناس.. فيكبرون ويهللون ويحمدون الله.. وهم يستشعرون بقلوبهم رحمة الله التي تتنزل على عباده في موسم الحج..
في العيد.. تجد الرجال منشغلين بذبح الأضاحي وتجهزيها وتوزيعها للفقراء والمحتاجين والأقارب.. والنساء يعددن حلوى العيد وأباريق القهوة التي أصبحت عرفا في بلادنا.. أما الأطفال فهم أصحاب الحظ الأوفر في العيد.. فالعيد بالنسبة لهم هو جمع نقود وشراء ألعاب.. فتراهم منتشرين في الشوارع حاملين بنادقهم ورششاتهم البلاستيكية ويخوضون اشتباكات عنيفة فيما بينهم وهم في سعادة تامة..

توجهت إلى مجمع السيارات بعد أن اشتريت بعض الحاجيات الضرورية واللوازم للعيد من سوق المدينة، والذي كان يعج بالناس، الرجال والنساء، الشباب والشابات، الأطفال والشيوخ، العمال والموظفين، وكل أصناف المجتمع. كلهم منهمكون بالشراء والتحضير والتجهيز. محلات الملابس والحلويات تغص بالمشترين.. ولا تكاد تعي شيئا من الضجة المحيطة..

فمنادٍ ينادي على بضاعته.. وآخر يدعو إلى مؤسسته.. وآخر يصرخ ليدل على بسطته.. ورابع ينادي على صاحبه.. وطفل يبكي يريد شراء لعبة وأمه تجره من يده.. والنساء يفاصلن أصاحب المحلات.. وأصحاب المحلات يحلفون ويقسمون.. ورجل يشق بعربته التي يدفعها أمامه صفوف الناس ويصرخ على هذا وذاك ان ابتعد من الطريق – وكأن الطريق له-..

قلما ترى شخصا لا يحمل في يده شيئا.. فالكل هنا ليشتري ويبيع.. إلا من فقد الحياء من الشباب والشابات الذين يخرجون للأسواق من دون غاية سوى معصية الله عز وجل.
بعد أن شققت طريقي بصعوبة خارج السوق المزدحم بالناس والبسطات والعربات، توقفت قليلا وجلست على إحدى المقاعد العامة لأستنشق بعض الهواء النقي بعد تلك الأزمة .. فإذا برجل مسن يخرج من وسط الزحام  ويبدو في ملامح وجهه هموم وآلام تراكمت في سنين عمره.. وكأنه عاش مأتي عام يبحث عن فرح أو سعادة  مفقودة..
كان يحمل في يديه ثلاثة أو أربعة أكياس تبدو أنها ثقيلة، وعرقه يتصبب، شعرت وكأن معظم الأمراض التي أعرفها فيه.. فقد كان يمشي بثقل.. ويلتقط نفسه بصعوبة..
فبدأت تتخاطر في ذهني أسئلة كثيرة.. وهو يخطو باتجاه المقعد الذي أجلس عليه..

فاجتاحت مخيلتي اسئلة كثيرة..

– أين أبناء هذا الرجل؟ أين بناته؟
– هل هم مشغولون؟
– هل هم مسافرون؟
– هل هم في مدينة ثانية؟
– هل هجروه وتركوه وحيدا؟
– هل وضعوه في ملجئ للعجزة؟
أين زوجته؟ هل هي ميتة، أم مريضة؟
– يبدو أنهم عاقين له.. (وصرت أستذكر بعض قصص العقوق التي كنت قد سمعتها وقرأت عنها)..

ومن إن وصل إلى جانبي حتى بادرني قائبل:
– “السلام عليكم ورحمة الله، ممكن أجلس جنبك يا ابني” .
– “أكيد، تفضل يا عمي” . وأفسحت له مجالا بجانبي.
– “كيف حالك يا ولدي، عساك بخير” .
– “الحمد لله أنا بخير”.
– “حقا هو إله يستحق الحمد.. فما أكثر نعمه وآلاءه علينا.. وللأسف كثير من الناس يردون نعمه بالمعاصي بدل الشكر والحمد”..

شعرت بكلمات هذا الرجل وكأنها غراس راسخة تخترق القلب لتنمو وتثمر طيبة وحسن خلق وعمل .. خصوصا لنبرته الإيمانية الواضحة التي تطغى على كلامه.

– “كيف حالك أنت يا عم.. أراك متعبا”..
– “أنا دائما بخير ما زال هذا صافيا”. وأشار إلى قلبه.. “أما الجسد، فلا أطمع بأن أبقى طوال حياتي شابا، فالكبر والهرم سنة من سنن الله الثابتة في هذا الكون.. وأيضا لا أطمع بأن أبقى طوال حياتي معافى، لأن المرض أيضا سنة من سنن الله، وأحتسبها كفارة للذنوب وطهورا إن شاء الله”.
– “كم عمرك يا عم”. سألت وأنا أرى في عينيه صورة للسنين الطويلة التي كابدها..
-أجاب وهو يبتسم.. “لا أعرف، أعرف فقط أنه مضى من عمري ستون عاما”..
-ابتسمت بخجل، وقلت له بحياء: “هناك شيئ يتخاطر في بالي وأود أن أسألك عنه”..
– “تفضل اسأل”.. أجاب وهو يبتسم..
– “لماذا أنت في السوق وحدك؟.. أقصد أين أبناؤك؟ لماذا لا يشترون عنك الأغراض أو يحملونها بدلا منك؟…”
– تنهد الرجل تنهيدة حزينة وشخص ببصره إلى السماء.. وسكت قليلا بينما ترقرقت دمعتان حارقتان في عينيه.. فسارعت قائلا: “أنا آسف يا عماه، اعذرني ربما سؤالي ليس في مكانه”..
– “لا لا.. سؤالك عادي.. فأي شخص يرى رجلا كبيرا مريضا مثلي يسير مترنحا في سوق مزدحم وهو يحمل مجموعة من الأكياس الثقيلة قد يتساءل نفس التساؤل”..
– “ما إسمك يا ولدي العزيز”.. سأل وكأنه يسترجع صفحات مريرة أو حزينة في قلبه..
– “إسمي أسامة”.. أجبت وأنا أنتظر إجابته التي يستجمعها بعقله وقلبه.
-“ولدي إسامة.. عندي ثلاثة أبناء وابنة.. الكبير عماد والأوسط جهاد وفارس وسمية توأمان .. أقلهم يحفظ عشرين جزءا من القرآن..
عماد – الله يرضى عنه- هاجر ولم يعد منذ سبع سنوات، ثم لحق به فارس. اما جهاد كان طالبا في كلية الهندسة قبل أن يترك الجامعة ويلتحق بأخويه ايضا..
أما ابنتي سمية التي حفظت القرآن وهي صغيرة فقد فارقتني أيضا”.. واغرورقت عينيه بالدموع ثانية..
شعرت بحزن يعتصر قلبي.. كيف يعق أبناء أهلهم؟!.. وخصوصا عندما  يكبرون ويحتاجونهم.. وعندما يتصف ابناءهم بالإلتزام وممن يحملون في صدورهم القرآن..

– قلت له وأنا أشعر بكره لأولاده دون أن أراهم: ” لكن لماذا فعلوا ذلك؟ لماذا تركوك وهاجروا؟..!!!
– أجاب وهو يبتسم بحزن وعينيه لا زالتا باتجاه السماء: ” لكنك لم تفهم ما قلته يا ولدي.. أو ما قصدته” ..

– إبني عماد.. حافظ القرآن، تربى في المسجد، عرفه الجميع بأخلاقه المتميزة وحبه لفعل الخير، تخرج من الجامعة بتقدير ممتاز في تخصص الرياضيات، ثم خطب فتاة جميلة متدينة من عائلة كريمة، وكان يستعد للزفاف… إلا أن الأحداث الملتهبة في ارضنا المباركة جعلته ممن باعوا انفسهم بجنة عرضها السماوات والأرض… فلبى نداء ربه…. فهاجر إليه مجاهدا عندما لبس حزامه وودع دنياه و وخطيبته وجعل من نفسه فداءا لدينه وأرضه وعرضه فكان قنبلة حية دكت حصون اليهود التي طغت في الأرض فسادا.. أحتسبه عند الله..

ابني جهاد كان شابا وسيما بهي الطلة، كان بارا بي وبأمه، حتى أنه كان يحمل لي الحذاء.. قام هو ايضا بعملية جهادية مع أخيه فارس في شهر رمضان قبل خمس سنين.. فاستشهد جهاد وأصيب فارس إصابات بليغة.. استشهد على إثرها بعد شهرين..
فارس وسمية كانا توأمين وصديقين.. كانا يأتمنان بعضهما على أسرارهم.. كانت سمية متعلقة جدا بفارس وتلجأ إليه في أي مشكلة أو ضيق أو حزن، خصوصا أنها كانت الوحيدة بين الذكور الثلاثة. تسابقت معه في حفظ القرآن.. فكان لها السبق، وتوقف هو عن الحفظ عندما دخل الثانوية العامة..

لم تتحمل زوجتي أم عماد ما حل بها من مصاب، فتدهورت صحتها كثيرا.. ثم قضت، قهرا وهما وحزنا، عندما اعتقلت ابنتي الحبيبة سمية”.. وترقرقت الدموع في عينيه “نعم، لقد اعتقلها اليهود، وزجوا بها في غياهب سجونهم وصرات رقما يضاف الى آلاف من الأسرى البواسل خلف قضبان الأسى”

وقفت مصدوما لما سمعت وشعرت بصواعق تخترق جسمي، وسيوف تمزق قلبي، ببعدما قاله الرجل … أحسست وكأنني إنسان دخيل غريب على هذه الدنيا.. كأنني إنسان لا قيمة له.. بل وكأني مجرم ومذنب ذنبا لا يغفر، عندما تسرعت في ظنوني بأبناء هذا الرجل..
لم أتمالك نفسي.. أرخيت رأسي وأخفيت وجهي بين يدي..  ورحت أبكي بحرارة وحرقة.. وأنا أتساءل: ماذا فعلت أنا؟ ماذا قدمت لديني؟ ماذا قدمت لمثل هؤلاء الأشخاص الذين باعوا دنياهم بأخراهم؟ ماذا قدمت لأهل هؤلاء الأبطال..
أنا الذي أحتسب نفسي شابا ملتزما.. ماذا فعلت شيئا مميزا؟ أصلي في المسجد؟ أقرأ القرآن؟ أصوم النوافل؟ أسمع بعض الدروس وأقرأ بعض الكتب؟ وماذا بعد؟ ماذا؟ هل هذا هو الإسلام  فقط؟؟؟ صلاة وقراءة قرآن وقراءة كتب وسماع دروس؟؟؟

– متى سأشعر بواجبي تجاه أهالي الأسرى والشهداء؟؟

– متى سأحس بالمسؤولية تجاه أخواتي الحرائر اللاتي يقبعن في سجون الحقد اليهودي؟

– متى سأبحث عن طريق الشهادة.. التي طالما دعوت الله أن يرزقني إياها؟

– متى سأحيي أفكاري بدمائي؟ وأنا أعرف أن أفكار الحق لا تحيى إلا بدماء المخلصين..

– متى سأعرف ان الكريم الحر ليس له عمر في زمن الذل والهوان..
– متى سأستيقظ؟؟؟؟؟ متى سأصحو؟؟؟؟؟؟

– أحسست بيد حانية تربت على ظهري برفق، وسمعت أبو عماد يقول لي: ” هون عليك يا أسامة.. وتذكر دائما ان الدنيا قصيرة.. فاجعل رحلتك فيها نشرا للخير ودفعا للظلم؟”

-أمسكت بيده ورحت أقبلها وأنا أبكي كطفل صغير، وأنا أقول له سامحني يا عم، أرجوك.. أرجوك سامحني.. وأنا أردد في نفسي: والله ما العاق بهذا الرجل إلا أنا.. وأمثالي..

هل تصدق الرؤيا! قصة بين الواقع والخيال

24/07/2016

هل تصدق الرؤيا

سامر عودة

 
 
وقف على نافذة البيت يرقب غروب الشمس الحزين عندما سمع خبر مهاجمة القوات الصهيونية للمدينة واغتيال صديقه ورفيق دربه.. كان يحس بأنه الهدف التالي لجيش الاحتلال الصهيوني.. أغلق النافذة بهدوء.. وارخى عليها الستائر.. وكأنها ستائر مسرح تغلق معلنة موت البطل في مسرحية تراجيدية.. سار بهدوء دون ان يتكلم وفي مخيلته تتراءى أيام جميلة من الماضي عاشها مع عبد الرحمن.. سار وهو يرى اطياف المستقبل المجهول تحمل الموت او السجن أو التشيرد له.. لكن سرعان ما نفض تلك الافكار وطردها لأنها أمر مألوف ومعروف ومسلم به.. فمنذ أن حمل سلاحه ليجاهد وهو يعرف مصيره، إما الشهادة او السجن أو المطاردة التي ستنتهي يوما ما بالسجن أو الشهادة..
 
احتضن بلال ابنه ذو العام والنصف ولاعبه لدقائق معدودة، لأن الوقت لا يجري في صالحه.. وقال لزوجته التي لم تكن تعرف عن استشهاد رفيقه عبد الرحمن شيئا انه لن يبات تلك الليلة في البيت.. حينها سقط الصحن من يدها وكسر، وكأنها تذكرت سرا مبهما.. صمتت لدقيقة مرخية سمعها لصوت مياه الحنفية التي تتدفق على الصحون في المجلى..
 
– ماذا حصل؟ هل ستركب تلك السيارة مع ذلك الرجل الغريب؟ سألته زوجته وهي شاردة الذهن
 
– أي رجل ؟ عمّن تتحدثين؟
 
– تذكرت الآن حلما رأيته الليلة الماضية.
 
– ماذا رأيت؟
 
– رأيت أن شخص لا أعرفه جاء بسيارة زرقاء، وقف امام البيت وظل يناديك حتى خرجت له.. ولما ركبت في السيارة معه نظرت إلينا ودمعت عيناك وأشرت لنا بيدك وغادرت.. ومشت السيارة بعيدا بعيدا.. نزلت إلى الشارع انظر إليها.. توقفت بعيدا ، نزل منها شخص لم اعرف من هو، ثم طارت السيارة إلى السماء..
 
ابتسم بلال، وتهيأت له تصورات كثيرة وتاويلات غير واضحة لما سيحصل، وظهرت على وجهه ملامح سعادة وأمل ورهبة في نفس الوقت.. وقال لها:
 
– لا تقلقي، ربما هذه مجرد اضغاث احلام. القوات الإسرائيلية اقتحمت المدينة منذ نصف ساعة والافضل ان لا أبقى في البيت، لا تقلقي فهذه ليست المرة الأولى التي أخرج من البيت في مثل هذه الاحداث.
 
نظرت اليه والدموع تترقرق في عينيها، وتذكرت ذلك اليوم الذي طالما اعتبرته اجمل ايام حياتها عندما تقدم بلال لخطبتها، يوم جلس معها لينظر إليها ويتحدثا، قال لها وصارحها ان طريق الجهاد لها تبعات ثقيلة على جميع من يحيط بالسائر في هذا الطريق، فطار قلبها من الفرح، فكم دعت الله عز وجل بان يرزقها بمجاهد في سبيل الله.. لكنها اليوم تعيش صراعا حقيقيا بسبب حبها لزوجها..
 
كانت أفكارها تتصارع وتتسارع.. تظهر فجاة أفكار مخيفة وحزينة ثم تتلاشى عندما تصبر نفسها..
 
لم يكن الأمر سهلا أبدا بالنسبة لها ان تقول لزوجها أخرج رافقتك السلامة وحفظك الله، مع يقينها ان الله هو الحافظ وهو مقدر الخير، إلا أن قلبها البشري الأنثوي ينبض بالحب الذي يضعف أي عزيمة..
 
أمسكت بيده وقبلتها وقالت له: ابق عندنا الليلة، لا أريدك ان تخرج، ان قدر الله الموت اريد ان اموت معك، لا أريد ان اعيش بدونك
 
مسح بلال على رأسها برفق، وابتسم وقال لها: لن اموت، لا تقلقي. وأدار بظهره قبل ان يتيح لها المجال ان تتكلم اكثر حتى لا تثبط عزيمته.. وسار بهدوء واخفى دمعات تغلبت على رباطة جأشه وسالت على وجنيته.. وتمتم قائلا: – اللهم استودعك زوجتي وابني، اللهم احفظهم وارعهم يا حافظ يا كريم..
 
 
 
مع حلول أذان المغرب بدأت أصوات الإشتباكات المسلحة تعلو وتنتشر في أرجاء المدينة، خصوصا عندما انتشر خبر استشهاد القائد عبد الرحمن، فهو رجل معروف في المدينة وله مكانته الإجتماعية قبل مكانته العسكرية في صفوف المجاهدين، فقد كان من رجال الإصلاح ووجوه الخير، وكان مدرسا في كلية طيبة للعلوم التكنولوجية، وكانت المخابرات الصهيونية تعتبره العقل المدبر والمسؤول المباشر عن عشرات العمليات الجهادية التي استهدفت جنودها..
 
توجه بلال الى المستشفى الحكومي متخفيا في ظلام الليل، فهو يعلم ان الجواسيس والعملاء كثيرون ويتربصون به كونه كان الذراع الأيمن لعبد الرحمن طيلة السنتين الماضيتين.. واستطاع بجهد ومشقة ان يصل ثلاجة الموتى التي كان الناس يزدحمون ويتجمهرون أمامها ليحظوا برؤية وتقبيل الشهيد..
 
اقترب من رفيقه دربه الذي كانت دمائه لا زالت تقطر من جسده.. قبّله بلال بين عينيه ومسح على شعره ووجهه بيده التي اكتست بلون دماءه.. تساقطت دموعه على وجهه.. وقال:
 
–..لا تنس العهد الذي بيننا
 
ثم قبل عينيه ودعا: اللهم الحقني به قريبا مقبلا غير مدبر، وخرج من المستشفى مسرعا
 
 
 
توجه بلال إلى بيت ابن عمه بينما بدأت الأمطار بالهطول، وكان ذلك بيتا قيد الإنشاء وغير مسكون.. اعتاد بلال ان يلجأ إلى هناك في الاوقات التي يجتاح فيها اليهود المدينة.. جلس في الظلام والبرد ينظر إلى خيوط المطر المتدلية أمام أضواء الشارع المجاور.. وهو يستعيد ذكريات جميلة تملأ قلبه أملا..
 
– لطالما جلست انا وعبد الرحمن في هذا المنزل، لطالما قضينا ساعات طويلة بلا طعام ولا شراب، مع ذلك كنا نتبادل النكت ونتحدث في الامور  العامة.. هل ترانا نلتقي عما قريب يا عبد الرحمن؟ همس بينه وبين نفسه!!
 
مضت الليلة ثقيلة في المدينة.. فقد قامت قوات الاحتلال باعتقال العشرات من ضمنهم اقراب لبلال، ورغم انه لم يعرف تماما ماذا حصل في الليلة الماضية لكونه لا يستخدم الهاتف النقال ولم يلتق بأحد إلا انه كان مستعدا، فسلاحه بيده وعزيمته قوية وهذا كل ما في الأمر..
 
بالرغم من انه لم يستطع النوم في الليلة الماضية الا انه لم يشعر بالنعاس، فقد ظل اكثر الليل يصلي ويدعو ويراقب اطراف المنزل.. كان صوت المطر بالنسبة له لحنا جميلا يحكي قصة الحياة على هذه الارض.. قصة جميلة لا تنتهي.. يموت بطل عندما يسلم الشعلة لبطل آخر..
 
هناك أسرار كثيرة في الحياة لا يفهمها أي شخص.. أصحاب القلوب الرقيقة والعقول الخارقة هم وحدهم من يدركون اسرار الكون.. وكأنها لغة مبهمة هم وحدهم من يستطيعون فك رموزها.. فالليل يحكي قصصا يدركها من سامر القمر والنجوم متأملا.. والمطر يدرك حكايته من لامست حبات المطر جسده المعنى سعيا وكدا في برد اشهر الشتاء.. حتى الحيوانات والأشجار والاحجار لها قيمة معنوية يشعر بها الصادقون الطيبون.. فالحجر ليس مجرد حجر ملقى هنا او هناك.. بل هو حجر قادم من عالم الماضي.. عاش دهرا طويلا.. شهد تغير الارض ومن عاش على الارض.. ربما جلس عليه او مر من جانبه الملوك أو القادة او ربما العبيد والفقراء، او ربما عاش وحيدا مساهما في تكامل مشهد الطبيعة الجميل..
 
وكل حيوان أو شجرة لها سر يدركه المتأملون.. فهي تأخذ من الأرض دون اسراف.. وتعطي بكرم.. تصبر وتصابر.. وتموت بصمت.. كل مخلوق في هذا الكون له حكمة.. عرفناها أو جهلناها.. لكن التفكر في الحكمة الربانية في ذلك كان يملأ قلب بلال أيمانا وحبا للحياة.. سواء كان على ظهر الأرض او تحت التراب! نعم! إنه سعيد في حياته رغم كونه مطاردا، فهو يشعر بصداقة وعلاقة مع كل شيئ حوله.. وهو أيضا يعتبر موته ان قدر له بوابة للسعادة التي طالما تمناها .. ومن منا لا يتمنا الشهادة في سبييل الله!
 
تذكر بلال الرؤيا التي حدثتها له زوجته.. وظل يفكر، ما قصة الرؤيا؟ ما تأويلها؟ ماذا سيحصل؟ هل سألتحق برفيق دربي عبد الرحمن؟
 
وفي نفس الوقت، في مكان آخر، كانت زوجته تفكر بذات الرؤيا وقلبها ينبض بعمق.. كانت تقوم مسرعة كلما سمعت صوت الرصاص والقنابل وتنظر من النفاذة.. تنظر في الأفق.. فلعله بلال.. فقد ترى نور روحه الحبيبة يصعد إلى السماء ليبدد الظلام والبرد.. او قد ترى اشباح ارواح الجنود الجبناء الذين ترسلهم طلقات زوجها إلى الجحيم..
 
كأن المشهدين يعبران عن مدى الترابط الفكري والقلبي بين بلال وزوجته التي امتازت بسرعة بديهتها وقراءتها لأفكار زوجها..
 
حمل الصباح معه أخبار كثيرة يكللها الحزن والأسى.. وانتشرت الأخبار مع انتشار نسائم الفجر التي تملأ القلوب حيوية ونشاطا.. ومع عودة التيار الكهربائي الذي انقطع اكثر الليل، سارع الناس لمتابعة الأخبار المحلية لمعرفة ماذا حصل.. وتفاجأت فاطمة كغيرها من ابناء المدينة عندما رأت أحد الجنود الإسرائيليين يذيع بيانا للجيش على القناة المحلية، وكان مما جاء في البيان أن الجيش الإسرائيلي لن يغادر المدينة حتى يحقق أهداف الحملة العسكرية وهي قتل او اعتقال قادة الحركات الإرهابية ” الجهادية” والنشطاء البارزين فيها، ثم ذكر انه تم اعتقال 18 شخصا وبقي 7 اشخاص، وأضاف ان من لا يسلم نفسه سيكون مصيره مثل مصير قائدم وشيخكم عبد الرحمن، ثم قام الصهاينة ببث صور له وهو مقتول على القناة التي قاموا باقتحام مقرها والسيطرة على بثها من باب الحرب الإعلامية والنفسية.. وهنا كانت الصدمة كبيرة لكثير من الناس الذين لم يسمعوا خبر استشهاده بالأمس، وكانت الصدمة أكبر لفاطمة!
 
نعم ،لقد وضعت يدها على وجهها وشهقت شهقة عميقة وكأنها تود أن تحبس الهواء في داخلها إلى الأبد وهي تلم أشتات الصور المبعثرة لتكمل رؤياها .. ركضت إلى الشباك ودموعها تبلل وجهها وتتساقط على الارض وهي ترقب اشراقة شمس تتخفى خجلا بين الغيوم.. وظلت تردد:
 
– ،بلال، بلال.. لا تتركنا وترحل.. لا تركب في تلك السيارة، خذني معك أرجوك!
 
كلمات غريبة لا يدركها إلا من غاص في أفكار فاطمة التي أدركت حقا تأويل الرؤيا.. فهي لم تر عبد الرحمن في حياتها من قبل رغم ان بلال كان يحدثها كثيرا عنه.. لكنها رأت ذلك الرجل في الرؤيا! نعم لقد رأت وجه عبد الرحمن قبل ان تعرفه، انه الرجل الذي كان يقود السيارة وجاء أمام بيتها وركب زوجها معه ثم انطلقا للبعيد..
 
صارت لحظات الانتظار ثقيلة وطويلة.. فأي لحظة قد تحمل لها خبر استشهاد زوجها وحبيبها ورفيق دربها، أو على الأقل قد تحمل لها خبر اعتقاله.. والأمر المرُّ الثالث هو ان تعيش جو الإنتظار ذلك.. فهي تشعر بروحها تختنق لحظة بلحظة..
وفجأة انقطعت كل الأفكار عندما سمعت طرقا عنيفا على باب المنزل! وقبل ان تصل للباب سمعت صوت انفجار وكأنه دمر الباب وجزءا من المنزل!
 
 
 
لم يطق بلال الإختباء في البيت، فكانت شمس ذلك اليوم امل بلال في الحرية الابدية من قيود الدنيا وهمومها.. وقرر ان يصنع مجدا ويكتب اسطورة لم تشهدها حجارة مدينته في تاريخها.. توضأ فأسبغ الوضوء.. حتى تقاطرت المياه من لحيته الكثة.. فازداد وجهه إشراقا.. ثم صلى ركعتي الضحى وأكثر فيهما من الدعاء.. ثم قام وأعد سلاحه وحزامه الناسف وذخيرته.. ونزل من المنزل بخطوات ثابتة.. قرر أن يكون هو المبادر باشتباك مع قوات الإحتلال.. نصب كمينا في إحدى الشوارع حيث اختبئ بجانب سور ينتظر مرور دورية أو مجموعة راجلة..
 
مضى أكثر من ساعة على مكوثه في مكمنه وهو يستمع لصوت طائرات الإستطلاع تحلق في الافق.. وفجأة رأى أحدهم ينظر إليه من أسطح احد المنازل.. كان شابا من مدينته، لكنه معروف بسوء أخلاقه وكرهه للمجاهدين.. فانسحب بلال من مكمنه ظانا أن ذلك الشاب قد يكون جاسوسا للصهاينة وأنه سيبلغهم عنه مما يفشل خطته.. فعاد متسللا إلى البيت الذي كان فيه حيث قرر أن يغير مكان الكمين بعد تأكده من خلو المنطقة من الاعين الراصدة.. لكنه غفل اثناء عودته عن التخفي من طائرات الإستطلاع التي رصدت البيت الذي دخل فيه! فلم تمض أكثر من خمسة عشرة دقيقة حتى كانت قوة كبيرة من العربات المصفحة والدبابات تحيط بالمنزل.. لكن الغريب في الموضوع انهم لم يطلقوا طلقة واحدة باتجاه المنزل ولم ينسفوه بالقذائف كعادتهم!
 
نظر بلال من الشبابيك الأمامية فرأى الدوريات والدبابات تملأ الشارع.. ذهب مسرعا إلى الجهة الخلفية فرأى نفس الأمر أيضا.. رغم استغرابه من عدم قيامهم بأي شيئ إلا أنه امتشق سلاحه وصار يفتش بين السيارات المصفحة عن جندي راجل كي ينهي حياته بطلقة من رشاشه.. الا انه لم ير اي جندي، وليقينه بعدم جدوى اطلاق النار من سلاح خفيف على سيارة مصفحة او دبابة بقي منتظرا ما يخبأه له المستقبل المجهول..
 
سمع صوتا يناديه من من مكبر الصوت المركب على إحدى الدوريات المصفحة..
 
– بلال، انا كابتن ديفيد من جيش الدفاع الإسرائيلي، لا أريد ان اقتلك فقط الق سلاحك وسلم نفسك ولن نؤذيك.. أعدك اننا لن نؤذيك..
 
– كاذب، انتم معروفون بخبثكم وكذبكم.. ثم أنا لا أقاتل من أجل نفسي، أقاتل من أجل ديني وقضيتي.. صرخ بلال باعلا صوته
 
– بلال، كبر عقلك ولا تتهور.. لن تستطيع مقاومة جيش اسرائيل وحدك.. استسلم لتعيش. قال الضابط
 
– لن استسلم يا هذا.. صرخ بلال بصوت يرعد في الوقت الذي بدأت فيه السماء تمطر مطرا خفيفا..
 
 
 
وفجأة سمع بلال صوت أخيه علي ينطلق من مكبر صوت على دورية أخرى:
 
كان علي يتكلم بصوت يرتجف ويبكي لا يكاد يستطيع تجميع أفكاره وكلامه، قال:
 
– أخي بلال، لقد اعتقلني اليهود وأجبروني على ان اخاطبك في السماعة، قالوا لي ان اقنعك بتسليم نفسك أو انهم سيقتلونك وقالوا انهم سيحكمون علي بالسجن لعشرين سنة.. ثم بكى قبل ان يستجمع قوته من جديد ويكمل، انا لا يهمني السجن أخي، لكني لا أريد ان اخسرك.. ثم بكى مجددا قبل ان يتكلم الضابط ديفيد مجددا
 
– بلال، لا تكن انانيا، فكر باخوك.. لا زال عمره 20 سنة، لا تدمر حياته بالسجن، فكر به قبل أن تتهور.. سلم نفسك الآن..
 
شعر بلال بغصة تخنقه.. فهو أخوه الوحيد، وهو المعيل الوحيد لأمه العجوز بعد وفاة والده قبل عدة سنوات.. تصارعت أفكاره بين التسليم والمقاومة.. نظر إلى السماء فرأى أشعة الشمس تتسلل من بين الغيوم الماطرة لترسم لوحة جميلة.. فصرخ بأعلى صوته:
 
– لا تحزن أخي، فلن تخسرني أبدا ولن تفقدني، بل سأكون دائما إلى جانبك.. لا تصدق هؤلاء الكذابين فلن يسجنوك، ولو سجنوك فذلك ابتلاء من الله لك فاصبر، أما انا فلن أستسلم..
 
رد الضابط: – إذاً هكذا يا بلال، لا تريد ان نحل المشاكل بطرق سلمية..
 
– إذا كنتم رجالا بحق فانزلوا من سياراتكم المصفحة !
 
ضحك الضابط بخبث ومكر وقال: هناك شخص اخر يريد ان يكلمك!
 
صمت بلال برهة قبل أن يسمع صوتا يعرفه جيدا.. صوت أحبه.. انه صوت رفيقته وزوجته فاطمة التي اعتقلها اليهود بعد تفجير باب المنزل! كانت تبكي ولم تستطع ان تقول شيئ.. حاول الضابط ان يقنعها بأنك ان اقنعت زوجك بأن يسلم نفسه سوف يسجن لعدة سنوات ويعود سالما لك.. فوقعت هي في صراع رهيب بين حبها لزوجها وبين خوفها ان تكون عقبة وأداة ضغط عليه.. فاستجمعت قوتها وقالت له:
 
– بلال، أنا بخير وولدك بخير، لم يمسني أحد بسوء.. قالوا لي انك ان سلمت نفسك سوف تسجن لسنوات ثم تعود سالما لنا.. لكن! افعل ما تراه مناسبا.. ثم بكت، وأضافت ” أنا أثق بك, فأنت علمتني أن هناك معنى جميلا لكل شيئ، حتى لنهاية حياتنا.. وأثق ان اختيارك سيكون صوابا وسأراه جميلا” قاطعها الضابط وأمرها ان تطلب منه ان يسلم نفسه لا أن تشجعه، فرفضت، فغمز الضابط أحد جنوده فقام بضربها متعمدا ان يسمع بلال صوت صراخها في مكبر الصوت..
 
قبض بلال على سلاحه بقوة وكأنه يريد عصر الحديد.. وشد على أسنانه بقوة ودمعت عيونه دمعات حارقة.. خطى خطوات إلى الامام.. خرج من الباب دون خوف.. فابتسم الضابط وقال للجندي توقف عن ضربها، لقد نجحت الخطة وجاء يستسلم..
 
مشى بلال عدة خطوات للامام، نظر إلى السماء فأحس بحبات المطر الخفيف تلامس وجهه وتغسل دمعاته حتى لا يرى عليه أثر الحزن.. ثم نظر إلى الدورية، امسك بسلاحه واطلق صلية من الرصاص اصابت مكبر الصوت وحطمته قبل ان ينسحب مسرعا إلى داخل المنزل من جديد..
 
كان يعرف أنه بإطلاق النار على السماعة لن يحل الأمر، وإنما يتغلب على نقطة ضعفه التي كان يخشاها.. ثم وقف بصمت ينتظر ما يخبئه المستقبل المجهول.. متسائلا ماذا يمكنهم ان يفعلوا أكثر مما فعلوه.. هل يمكن لخبثهم ومكرهم ان يتجاوز حدود ما فعلوه حتى الآن.. لم تتوقف الأفكار المتخاطرة على ذهنه حتى سمع صوت خطوات اقدام تقترب من المدخل.. اعد سلاحه وصوبه على الباب ووضع سبابته على الزناد استعدادا للإطلاق.. لكن الصدمة افقدته تركيزه لدرجة انه لم يصدق عينيه.. رأى والدته العجوز تتقدم نحوه باكية..
 
– ما الذي جاء بك هنا يا أمي” قال وهو يقبل وجهها ويديها وعينيه تراقبان كل شيئ حوله..
 
– قبلته ومسحت على رأسه وقالت له: ” الجيش الصهيوني أخذني من البيت لأكلمك، الله يرضى عنك يا ولدي، لقد تعبت سنوات في تربيتك وتعليمك حتى صرت رجلا، وكم سعدت وشكرت الله عندما رأيت ولدك.. لا تتركنا يا ولدي، زوجتك بحاجة لك، ولدك بحاجة لك، انا بحاجة لك.. أنا لا اريد ان اثبطك عن الجهاد في سبيل الله، لكن لمن تتركنا.. لمن تترك أهلك ومن سينفق عليهم..” شرد ذهنه وامه تتكلم.. ظلت امه تتكلم لدقائق وهو يفكر في أمر آخر.. لم يعد يرى أن المسألة مجرد يهود يريدون اعتقاله فحسب.. بل كان يرى أنه امتحان من الله له، ويال له من إمتحان صعب، كان يستذكر قوله تعالى ” قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين “.. صار يرى تلك الصور تتمثل امام عينيه.. وامه تتكلم وتحاول اقناعه ان يسلم نفسه.. وبعد ان انتهت من الكلام قال لها:
 
– والله يا أمي لو اني اعرف ان السجن خير لي لسلمت نفسي دون ان يقنعني أحد.. لكني لن اختار القيد على الحرية.. ولن اختار الحياة على الموت.. لاني أؤمن أن في الموت في سبيل الله حياة حرة وجميلة..
 
صمتت ام بلال قليلا وقبلته ورضيت عنه قبل ان يرن هاتف نقال كان معها.. وقبل ان ترد قالت لولدها ان الضابط اعطاها الهاتف وقال انه سيتصل ليسمع جوابك النهائي..
 
أخذ بلال الهاتف ورد على الضابط:
 
– ماذا قررت يا بلال، في دينكم يجب طاعة الوالدين، ونبيكم يقول أمك ثم امك ثم امك..
 
– اجاب بلال: لن اسلم نفسي مهما فعلت، لا تتعب نفسك..
 
– قال الضابط بعصبية ومكر: معك دقيقة واحدة، إن لم تسلم نفسك سيتم قصف وتدمير المنزل وتموت انت وامك..
 
– اسرع بلال إلى النافذة لينظر، فإذا بعشرات الجنود يوجهون بنادقهم باتجاه النوافذ والمداخل، والدبابات توجه فوهات مدافعها باتجاه البيت..
 
– صرخ بلال على الضابط قائلا: يا جبان، يا نذل ما شأن امي؟؟!!
 
– هذه لعبة نستخدم فيها ما نشاء، وستخسر فيها..
 
وقع بلال في حيرة كبيرة، هل يستسلم فيذل نفسه ويخضع للاسر والإنهزام فعليا ونفسيا، أم يضحي بحياته وحياة أغلى انسان على روحه؟!
 
لم يكن الامر سهلا بالنسبة له، فأمه بالكاد تستطيع الوقوف على رجليها من هول الموقف، وهو لا يرضى ان تشاك امه بشوكة، بل ومستعد لفعل المستحيل لحمايتها فكيف له أن يضرها لدرجة موتها بسببه.. كانت الثواني تمر ثقيلة كجبال الوطن الأسير.. اختلطت مشاعر الحب بالحزن.. والامل بالألم.. شعر وكأنه طفل صغير تكسرت كل ألعابه فارتمى في حضن أمه باكيا.. صار يقبل رجليها ويديها.. وقال لها ان أترك احدا يمسك بسوء وانا على قيد الحياة!
 
كلم الضابط عبر الهاتف وقال له: سأسلم نفسي يا جبان بشرط أن تترك امي وزوجتي وأخي اولا..
 
– حسنا، ألق سلاحك واخرج رافعا يديك..
 
 
 
وفعلا، ألقى بلال سلاحه على الأرض.. وخرج رافعا يديه مخفيا امه خلف ظهره حتى لا يصيبها سوء إن غدروا به.. كان يشعر وكأنه ألقى جزءا من جسده على الأرض، فلم يعتد ان يستسلم او يلقي سلاحه.. وما إن وصل حتى اجتمع الجنود حوله وقيدوا يديه.. وجاءه الضابط يضحك بمكر وخبث وقال:
 
– وأخيرا يا بلال وقعت في أيدينا.. وأخيرا دخل الفأر في المصيدة
 
– أنت الفأر يا هذا.. أعدك أنه سيكون بيننا لقاء.. هيا أطلقوا زوجتي وأمي واخي الآن
 
– حسنا حسنا.. هدأ من روعك قليلا.. وامر بإطلاق أمه واخيه..
 
– وماذا عن زوجتي يا حقير.. هيا اطلقو سراحها الآن!
 
– نريد أن نجمعك بها قليلا قبل ان نأخذك معنا فقد لا تراها أبدا..
 
وقع شك كبير في قلب بلال.. وشعر بندم كبير على تسليم نفسه لهم، ترى ما الذي دفعني لتصديق اليهود وهم أشد الناس خبثا ومكرا.. ربما لن يفرجو عن زوجتي..
 
 
 
ساقه الجنود إلى دورية كبيرة، حيث كانت تجلس زوجته حاملة ولده، كانت تبكي بغزارة لكنها شعرت بسعادة خفية في قلبها كونه بقي حيا، لكنها لم تظهر ذلك له لكونها تعلم المرارة التي يشعر بها.. ركب الضابط إلى جانب السائق، وقال له قل آخر ما تريده لزوجتك..
 
قال بلال لزوجته: اصبري واحتسبي وربي الولد تربية صالحة كما عهدتك..
 
حاولت أن تظهر التصبر والتجلد امامه، مسحت عينيها وقالت: لا عليك..
 
 
 
سارت الدورية وتبعها الدبابات والعربات المصفحة الاخرى.. والشك لا زال يملأ قلب بلال..
 
قالت له فاطمة: هل علمت انهم قتلوا عبد الرحمن؟
 
قال لها: نعم
 
قالت وهي تبكي وترتجف: انه الشخص االذي رأيته في الرؤيا يقود السيارة
 
صمت بلال قليلا وهو يفكر، وقد تراءت له حقيقة مبهرة، وكأن أجزاء مبعثرة من صورة جميلة بدأت تتجمع..
 
ابتسم وقال: – لعله خير ان شاء الله.. بقي أمر واحد لم افهمه في الرؤيا!
 
وقبل أن تسأل فاطمة زوجها عن هذا الشيئ توقفت الدورية، وأمر الضابط بنزولها.. فتوسلت ان يأخذوها للسجن مع زوجها.. لكن بلال نظر إليها نظرة الواثق المطمأن وقال لها: إنزلي من السيارة.. وحافظي على العهد يا فاطمة.. قالت له: أريد أن أبقى معك. فأعاد مجددا قلت لك إنزلي من السيارة وغمزها غمزة لم تفهم معناها!
 
اقتربت منه وقبلته قبلة المودع على خده بينما همس في أذنها ان ارتقبي السماء، فستكون اليوم أجمل مما مضى!..
 
نزلت من الدورية وعيناها تذرفان وولدها يبكي وكانه يدرك ما يدور حوله..
 
سارت الدورية وفاطمة واقفة في منتصف الشارع تنظر إليها.. ظلت تنظر إليها حتى وصلت مكانا بعيدا.. وفجأة!
انفجرت الدورية وتبعثرت اجزاءها بينالأرض والسماء.. أضاءت نار الإنفجار الافق الملبد بالغيوم.. وأمطرت السماء بغزارة.. أرعدت وأبرقت.. جثت على ركبتيها وهي تستذكر قول بلال لها ” انزلي من السيارة” نعم! لقد قال السيارة بدلا من الدورية ! وكأنها رسالة لها لتفهم تأويل الرؤيا.. نعم إنها هي الشخص الذي سينزل من السيارة قبل ان تطير إلى السماء..
 
نظرت فاطمة إلى السماء.. وابتسمت ودموعها تذرف.. وقفت ورفعت يدها تحيي طيف زوجها الذي تراءى لها مبتسما صاعدا ينير السماء الباكية..
 
 
 
وعلى شرفة المنزل بعد 20 عاما جلست فاطمة تحدث ولدها قصة والده الشجاع:
 
لم يكن بلال من البشر الذي يستسلمون بسهولة أو تخدعهم حيل خبيثة، كان دائما يرتدي حزامه الناسف وقت الإشتباك.. وفي ذلك اليوم كانت حكمة الله ان اليهود نسوا تفتيشه بسبب فرحهم باعتقاله.. فما ان ابتعدت الدورية ووصلت اطراف المدينة حتى قام بلال بتفجير حزامه وقتل الضابط والجنود كلهم.. لقد اصبحت شابا الآن يا محمد فأريدك ان تتعلم من شجاعة والدك..
 
 
 
ملاحظة: قصة هذه الرؤيا مستوحاة من قصة حقيقية أعرف من عايش أحداثها هنا في فلسطين