Archive for the ‘مذكرات’ Category

حلاق

10/01/2020

حلاق

 

دخلت محله الصغير في شارع قريب من بيتي فانتابني ذات الشعور الذي أحس به كل مرة أدخل ذلك المكان.. مع أول خطوة أضعها داخل صالونه أشعر بنفسي أبحر سريعا إلى الماضي.. فكل شيء عنده كما هو منذ أن كنت طفلا صغيرا.. أدرك ذلك جيدا لأنني من النوع الذين لا يحبون تغيير الحلاق.. ربما تغيرت بعض ملامح وجهه.. لكن كلامه لم يتغير.. لا زال يضع تلفازا قديما جدا بالكاد تستطيع أن ترى الصورة فيه، بعض أزراره معطلة وصورته لا تستقر أبدا.. لا زالت صورة الطفلة الصغيرة التي ترتدي ثوبا أحمر وتمسك أرنبا أبيض هناك على الجدار منذ منتصف التسعينيات.. كل شيء قديم.. الكرسي والملصقات على الخزانة ولون الجدار ونقش البلاط.. صوت المقص ورائحة الكالونيا ولسعات ماكنة الحلاقة..

في كل مرة يحاول أن يفتح أحاديثا كثيرة حتى يكسر الجمود ويشعرني بمدى اهتمامه بي كزبون تجاوز سن التقاعد بالتزامي بالحلاقة عنده.. دون أن يعرف أنني لا أؤمن بتسليم رأسي لأحد غيره.. لكنه ينسى في كل مرة أنه قد حدثني نفس القصص مرات ومرات.. فأنا أعرف منذ زمن طويل أنه يحمل شهادة بكالوريوس في الجغرافيا، ولم يوفق بالعمل في شهادته.. لكنني فعلا أحس بالراحة بين يديه.. بت أحسه جزءا من عالمي الخاص.. جزءا من ذاكرتي.. ففي كل مرة أجلس على كرسيه، يسألني كل شيء عن أحوالي وأحوال أهلي وأخبارهم.. وكأنه ينتظر زيارتي لأطلعه على آخر الأخبار.. لا زلت أذكر أن كل المرات التي حلقت فيها شعري عنده وأنا في الثانوية العامة كان يحاضرني فيها عن أهمية الدراسة وصعوبة هذه المرحلة..

كان كل شيء هناك روتينيا.. كلاسيكيا.. فيه رتابة مملة.. إلا المرآة.. كنت أشتاق النظر إليها لأرى انعكاس وجهي.. وكأنها مقياس يقيس التغير الذي يحصل بين أوقات الحلاقة.. واليوم فعلت نفس الشيء.. حدقت في المرأة.. فلم أر الطفل الصغير الذي لم تكن تثقل الهموم كاهليه.. ولم أر الشاب الذي تبرق عينيه بأحلام أكبر من السحاب.. رأيت اليوم واقعا في انعكاس الصورة.. شيبا يغزو اللحية.. وتجاعيدا تخط طريقها في الوجه.. وعيونا تنطفئ فيها لمعة الإنطلاق إلى البعيد..

قطعت رائحة الكالونيا القوية حبل تفكيري عندما دهن بها رقبتي فاشتعلت الحرارة مكان استخدامه للموس.. وقال: الله يجعله نعيما، بانتظارك الشهر الجاي.

لوحة صباحية

19/07/2019

انتابني اليوم شعور عارم بالرغبة في الكتابة بينما كنت أمارس هوايتي المفضلة بالجري الصباحي في الطريق الذي يشق سهلا واسعا ممتدا بين بلدتي حوارة وبيتا، اختلطت ألوان السهل بين صفرة القمح الذي تأخر حصاده، وبين خضرة الذرة والبامية التي يقبل الناس على زراعتها في الصيف، وبين اللون اللبني، لون الأرض التي حُصدت ودُرست واقتاتت المواشي على ما تبقى فيها.. امتزج ذلك المشهد الأرضي بلوحة سماوية جميلة، خالطت زرقتها بعض غيوم الصيف العابرة.. بيضاء تبدو حينا ورمادية حينا آخر.. وكانت أشعة الشمس تبدو حينا وتختفي حينا.. فيبدو المشهد أجمل..

لم تكن السماء بعيدة عن الأرض.. فقد كانت لوحة واحدة.. توسطها جبل كبير.. عمره بعمر الأرض والحب.. جذوره مغروسة في الأرض.. وقمته في غرب السماء.. كنت أظنه في صغري يخفي بيت الشمس.. فقد كانت تختفي وتتلاشى اشعتها بمجرد نزولها خلفه.. هو جبل أصيل لا يتراكم على ذكرياتي فيه غبار النسيان أبدا.. فقد اعتدت منذ صغري التجوال في أرجاءه بحثا عن أعشاش طيور الحجل.. ومتابعة آثار الغزلان التي قلما نراها اليوم..

فيه شجرة خروب مسنة.. لكن الماء الذي يتدفق في عروقها يبقي روحها شابة دائما.. كيف لا والهواء الذي يحرك أوراقها لا يلوثه دخان السيارات ولا غبار مقالع الحجر؟ كنت اشعر دائما أنها تعطينا ظلا مميزا باردا وهواء منعشا بشكل مختلف عن بقية الأشجار.. كأنها جدة تشفق على حفيد لها من حر لاهب وأشعة حارقة..

وفي مكان قريب من شجرة الخروب تصطف صخور كبيرة غاب أكثرها تحت الأرض وظهرت منها أجزاء اعتاد الناس الجلوس عليها.. كانت معالمها حزينة.. نعم، حزينة.. قد شقت المياه الضعيفة فيها قنوات.. ونمت نباتات الزعتمان في حفر تركها الزمن فيها.. ونمت الطحالب على وجهها وكأنها تجاعيد مرسومة على وجه عجوز تجاوزت التسعين..

في ذلك الجبل تنتثر بعض أشجار اللوز والتين والعنب وكثير من أشجار الزيتون، وأكثر من ذلك بكثير تنتشر شجيرات “النتش” التي تصبغ الجبل بلونها.. وتسكنه كائنات كثيرة لا أعرف من بينها أجمل من غزال فلسطين..

وفوق كل ذلك الجمال الذي امتزجت فيه عناصر السهل والجبل والأرض والسماء، وامتزجت فيه ألوان الطبيعة البهية، كان هناك جمال خفي ينبعث من روائح الأرض والأشجار.. وروائح دخان حطب اللوز والسرو.. وينبعث من صوت طيور الصباح التي تسعى باكرة في طلب رزقها المقسوم.. إحساس عميق فوق الوصف.. لم أكن أشعر بأني أسمع بأذني أو أشم بأنفي.. كنت أشعر بأن قلبي فقط هو من تولى كل شيء..

كنت ولا زلت وسأظل أحس بعلاقة دائما مع كل شيء من حولي.. سواء كان حيا أو جمادا.. فأنا أؤمن بالبعد الحسي لكل شيء.. نعم، حتى الجمادات لها بعد حسي ينعكس في عقولنا وقلوبنا فيترك أثرا.. قد ترى بعينيك أبعادا غير ملموسة لا يراها غيرك.. وقد تغوص في خيالك إلى ماضي الأشياء وتحسها حية.. حية وكأنها تفرح بقدومك وتفتقد غيابك.. تتذكرها عندما تضع رأسك على الوسادة بل وتحلم بها.. حينها ستدرك تماما أنك وصلت حد الإشباع من الحب.. وسينتابك شعور عارم بالرغبة في الكتابة!

 

أنا والموت.. ذكريات مؤلمة من فلسطين

10/02/2017

رحيل

الذكريات في وطني تعيد نفسها كثيرا.. بل تفرض نفسها فرضا..
لكنها.. ليست ككل الذكريات..
هي أليمة حزينة.. ترتسم على الأزقة والجدران..
ترتسم على المنابر والمحابر..
ترتسم على وجوه تسبح في براءتها..
ترتسم على وجوه أرهقها الحنين والفراق..
الذكريات في فلسطين أكبر من أن تحتويها ذاكرة وأصعب من أن يحملها قلب..
ومع ذلك هي محفوظة كالنقش في الحجر.. لا تزول أبدا..
كمواطن فلسطيني عادي، شهدت الموت بنفسي مرات ومرات كثيرة واصيب واستشهد قربي وامام ناظري كثير.. مواقف لا انساها أبدا.. وهل يُنسى الأسى!
مدرسة حوارة الثانوية
كنت طالبا في الصف الثامن عام 2002 على ما اذكر.. كانت انتفاضة الأقصى ملتهبة وقتها بسبب زيارة رئيس الوزراء الصهيوني شارون وتدنسيه لباحات المسجد الأقصى، وكان قد مر على الانتفاضة عام كامل تقريبا.. سقط خلاله مئات الشهداء والاف المصابين..
كانت مدرستي تبعد قريبا من كيلومترين عن بيتي، وبلدة حوارة التي اعيش فيها يشقها شارع عام يمر منه المستوطنون الصهاينة.. وهو ذات الشارع الذي كنت اسير فيه يوميا للوصول إلى المدرسة.. وفي أحد الأيام وعند وصولنا الى مفترق المدرسة قام مجموعة من الطلاب بالقاء حجارة على سيارة احد المستوطنين كردة فعل طبيعية للجرائم الصهيونية التي كانت تشهدها كل أرجاء فلسطين.. وما ان اصطدمت الحجارة بالسيارة حتى فر جميع الطلاب باتجاه المدرسة التي كانت تبعد تقريبا 50 متر  وكنت من ضمن الفتيان الهاربين باتجاه المدرسة عندما سمعت صوت اطلاق نار متتابع يصم الاذان.. وكنت اسمع صوت ارتطام الرصاص من حولي..
لا زلت أذكر جيدا صراخ الطالب الذي كان يركض بجانبي ” تصاوبت.. تصاوبت” كنت انظر اليه وانا اركض واظن انه يمزح، وافكر كيف يمكنه الركض وهو مصاب.. كان يضع يده على بطنه وهو يصرخ.. فنظرت إلى ظهره فإذا بقعة كبيرة من الدماء تغطي زيه المدرسي.. وكانت رصاصة متفجرة حاقد اخترقت ظهره واصابت اعضاءه قبل ان تخرج من بطنه وتصيب طالبا اخر.. كانت المسافة بيننا لا تتجاوز مترا ونصف.. لا أكذب حين أقول انني تمنيت ان أكون مكانه حينها لا أدري تمام لماذا..
الحمد لله شفي بعد عدة عمليات جراحية استمرت عدة سنوات..

طريق تل- نابلس

كنت حينها طالبا في الصف العاشر.. عام 2004 وكانت احداث الانتفاضة لا زالت ملتهبة والطرق بين المدن مغلقة بالحواجز والسواتر الترابية.. قرر والدي يومها الذهاب لمدينة نابلس التي لا تبعد عن بلدتي سوى 7 كيلومترات، كانت الرحلة تستغرق حينها عدة ساعات عبر الجبال والوديان.. كان الناس كثر.. بينهم طلاب الجامعات والمعلمون والمحامون والمرضى والعاملون وكل اصناف المجتمع.. كلهم يريدون صعود ذلك الجبل كي يتجاوزوا حاجزا نصبه الاحتلال ومنع الناس من المرور.. وقبل ان نبدأ صعود الجبل انهمرت علينا قنابل الغاز المسيل للدموع.. سقطت احدى القنابل مترين او ثلاثة قربنا.. وقبل ان تنفجر وتبدأ بضخ غازها السام المؤلم صاح أحدهم ” واحد منكم يرميها بعيد بسرعة!” مع انني كنت صغيرا وقتها وكان هناك عشرات الرجال حولي شعرت وكأنه واجبي.. واجبي وحدي.. قفزت الى المكان الذي سقطت فيه وكانت في شجيرة شوكية صغيرة على جانب الطريق الذي يقف فيه الناس وكان المكان مرتفعا عن الشارع مترا تقريبا.. اقتربت منها سريعا ومددت يدي لاتناولها.. لكن! لم يسعفني الوقت، انفجرت وانبعث الغاز دفعة واحدة في وجهي.. ولا أذكر ما حصل أبدا حينها، فحسب ما قالته جدتي التي كانت ترافقنا يومها فإني قد فقدت الوعي مباشرة قبل ان اسقط إلى الشارع، حيث انني استنشقت كمية كبيرة من الغاز السام الذي كاد يودي بحياتي، وتم نقلي الى الاسعاف واستعدت وعيي وصحتي والحمد لله بعد عدة ساعات..
أحداث كثيرة حصلت اثناء داراستي في الثانوية نجوت من كثير منها بأعجوبة، وما ان التحقت بالجامعة حتى اعقلني المحتل واودعني سجونه لعامين وفي تلك الفترة بين عامي 2007 و 2009 هدأت الأحداث نسبيا في الضفة الغربية..
وفي الأعوام القليل الماضية شهدت الموت مجددا أمام ناظري..
اصعبها استشهاد الأخوين والصديقين خالد عودة وطيب شحادة الذين قُتلا امام عيني وقربي.. وكنت قد  كتبت عنهما بشكل منفصل..
وغيرها مما أوجع قلبي وفطر فؤادي وانا مكتوف اليدين..

   سبتمبر 2015 – مدخل نابلس الغربي

 كنت متوجها بسيارتي ليلا برفقة عائلتي إلى مدينة نابلس من الجهة الغربي وقبل مفترق قوصين تفاجئنا بتوقف السير امامنا بثلاث او اربع سيارات بعد صوت اطلاق نار، ترجلت من السيارة لأرى جيبات عسكري اسرائيلية تقيم حاجزا على الطريق، سألت أحد الاشخاص الذين كانوا متواجدين في المكان فأجاب ان الجنود اطلقوا النار على احد السيارات واشار اليها، فانفجر قلبي من الألم عندما علمت ان احدهم مصاب داخل السيارة.. حاولت الاقتراب من السيارة فمنعني الجنود واشهروا اسلحتهم في وجهي وصاروا يصرخون بأعلى صوتهم.. بدأت أتصل بأصدقائي من الصحفيين في الوقت الذي وصلت فيه سيارات الإسعاف.. فقام الجنود أيضا بمنع المسعفين من الاقتراب من المصاب.. فحاولت اقناع المسعفين بعدم الانصياع للجنود وقلت لهم سنقترب جميعا من السيارة رغم انف الجنود ونأخذ المصاب.. لكنهم لم يجازفوا لان الجنود كانوا على استعداد لاطلاق النار على اي شخص يقترب.. وبعد انقضاء حوالي نصف ساعة قام مجموعة من الجنود باخراج المصاب من السيارة على نقالة وادخلوه احد الجبيات العسكرية قبل ان ينقلوه إلى جهة مجهولة.. نظرت إليه بحزن عميق.. لا أدري أحزني عليه لأنه لا يحرك ساكنا.. أم حزني على نفسي لأنني أنا أيضا لم أحرك ساكنا!!
انسحب الجنود وفتحوا الطريق.. ومرت ايام قليلة وصورته لا زالت أمام عيني حتى علمت انه استشهد رحمه الله.. وعلمت انه من بلدة بيت فوريك

حاجز حوارة.. حاجز الموت

23/11/2015
كنت متوجها إلى مدينة نابلس بسيارتي عندما وصلت الحاجز سيئ الصيت والسمعة والذي سمي باسم بلدتي ” حاجز حوارة” حيث كانت هناك أزمة سيارات كبيرة وسط صراخ بعض الناس ان هناك شهيد.. تجاوزت بسيارتي عن مجموعة من السيارات لأرى مشهدا مؤلما جديدا يضاف إلى قائمة طويلة جدا.. وفي كل مرة أقول هذا المشهد هو الأقسى على قلبي.. كانت سيارة متوقفة الى يسار الطريق.. زجاجها الخلفي قد هشمه الرصاص.. واختار من بين ركاب السيارة رأس الفتاة سماح عبد المؤمن 18 عاما ليستقر فيه.. ليسقط رأسها على كتف امها.. ويسيل دمها الطاهر على أكف والدها وشقيقتها.. سقط رأسها وسقطت معه كل الرؤوس.. سقط معه رأسي وقلبي.. حملوها إلى الأرض ودماها تتدفق على الأرض التي سرقها المحتل منا.. والله ان الكلمات لتعجز عن وصف ذلك المشهد..  استشهدت سماح رحمها الله بعد عدة اسابيع في المستشفى.. وكان الرصاص قد اصابها عندما اطلق الجنود النار على شاب فلسطيني كان يمر بالقرب من الحاجز قتل هو ايضا..
سماح عبد المؤمن

التقطت هذه الصورة بكاميرا هاتفي في 23/11/2015 من مكان استشهاد الفتاة سماح عبد المؤمن عند حاجز حوارة

 

تلك الأحداث جزء من ذاكرتي التي لا أريدها ان تنسى، وكم من ذكرى مؤلمة حصلت على هذه الأرض..
إيــــــــــــــــــه يا فلسطين.. لك الله..
نسأل الله الصبر والثبات وأجر الرباط..
امين

رحم الله امرءا دخل مسلما فخرج مؤمنا

03/02/2017

أسير

كما تمضي الأوقات السعيدة.. تمضي الأوقات الحزينة..

وكما تمضي ساعات البهجة والفرحة.. تمضي أيضا ساعات الألم والمحنة..

 

تمر الأيام بما فيها من خير وشر.. فمن رضي بقضاء الله تعالى فله الرضى.. ومن سخط فله السخط..

 

الذكريات في وطني تعيد نفسها كثيرا.. بل تفرض نفسها فرضا..

 لكنها.. ليست ككل الذكريات..

هي أليمة حزينة.. ترتسم على الأزقة والجدران..

ترتسم على المنابر والمحابر..

ترتسم على وجوه تسبح في براءتها..

ترتسم على وجوه أرهقها الحنين والفراق..

 

مع كل ذلك.. تبقى نسائم الرحمة الربانية.. وألطاف الحكمة الإلهية تضفي على المحنة لذة لا يشعر بها إلا من عاشها وأحس بها..

 

في كل مرة يطرق العسكر باب بيتي ليلا، لينتزعوني من بين أهلي من غير سبب أو ميعاد.. أذكر ملك الموت.. الذي يأتي بغتة من غير سبب أو ميعاد أيضا..

 لكنه لا يطرق بابا.. ولا ينتظر جوابا..

 وفي كل مرة كنت أحبس فيها في زنزانة ضيقة صغيرة مظلمة أذكر القبر..

 لا خليل ولا أنيس.. سوى العمل الصالح..

 لكن!!.. في زنزانتي.. أصلي وأستغفر وأسبح وأقرأ القرآن.. وأسْبح في عالم واسع من الخيال.. دون قيود أو حدود.. دون حراس أو جنود..

أشعر بالأمل والسعادة.. فزيارة العسكر خير من زيارة ملك الموت لمن أساء العمل.. والزنزانة فيها عمل صالح أما القبر فلا عمل فيه..

 

ما أكبر هذا السجن.. !!

مع ذلك.. حفظت مبانيه وساحاته.. حفظت طوابقه وغرفه.. بل حفظت حراسه وجنوده.. وهم أيضا حفظوني.. وصاروا يشتاقون إلي عندما أطيل الغياب.. وهل يطيق المحب البعد عن حبيبه !!

في هذا الإعتقال الذي رقمته بالثالث عشر أو الرابع عشر- لم أعد أذكر- .. أحببت أن اكسر روتين الإعتقال العادي.. مع انه اختلف بعض الشيء.. فهي أول مرة أرى دوريات اليهود ترافق دوريات أمن وطني في شارع بلدي.. 

أخذوني إلى العيادة.. وسألني طبيب: هل تشكو من مرض؟ هل تشكو من شيء؟

قلت: لا.

وغبت في خيالي..

 مم أشكو؟ وهل آلام الجسد آلام.. وآلام النفس إن تألمت ليست بآلام!!

مم أشكو؟ وهل آلام جسدي آلام توجعني.. وآلام أمي وأبي وزوجتي وابنتي آلام لا توجعني !!

مم أشكو؟ وإن كنت أشكو.. فهل لشكواي سميع أو مجيب غير ربي القريب!!

 

أجلست على كرسي بجانب العيادة.. في ظلمة الليل.. وأوصالي ترتجف من البرد..

رأيت قطة تتجول من قريب..  مددت يدي مناديا عليها.. فركضت باتجاهي ورفعت ذيلها متوددة.. ابتسمت وهمست لها في نفسي.. وضعك هنا أفضل من وضعي.. واعذريني فلا املك لك طعاما..

اقتربت مني أكثر.. حتى صار تحك جسدها برجلي.. فوضعت كفي على ظهرها ومسحت عليه  برفق.. فقفزت إلى حضني.. والعسكر ينظرون بدهشة واستغراب..

إيــــه يا قطة.. حقا أنك تفهمينني وتشعرين بحالي..

 

ثم أخذت إلى زنزانتي.. إلى المكان الذي قضيت فيها أكثر من عام وصار من هويتي.. وربما من هوايتي أيضا..

سألوني.. ماذا فعلت ولم فعلت.. وكيف وأين ومن أين اكتسبت.. بل لماذا ولأي جهة انتميت.. ابتسمت وأجبت كما أجبت مرات من قبل.. ساعات قليلة من الأسئلة.. ثم غياب وسبات حتى تأتي الكفالة..

دخلت الغرفة.. قبل أربع سنوات،  كنت في نفس الغرفة.. يا له من قدر جميل.. بل وفي نفس التاريخ تقريبا..

فقد كان ذلك الاعتقال أيضا في العشر الأوائل من ذي الحجة.. قضيتها وحدي.. وقضيت العيد وحدي وأنا أسمع صوت التكبير والتهليل في مكبرات المساجد.. وأفتش جدران الغرفة بحثا عما يرفع الهمم..

أسرعت إلى جدران الغرفة أبحث عن تلك الكتابات التي كنت أقرؤها.. تشحذ همتي وترفع عزيمتي وتقوي إيماني.. كان يكتبها من يمر في هذه الغرف من أسرى.. لكني.. لم أجد شيئا.. محيت بالدهان.. لكنها لم تمح من ذاكرتي وإن طال الزمان.. كلمات صادقة تنبع من قلوب صادقة..

آيات وأحاديث وأبيات شعر وعبارات..

 

لا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

الآلام تذهب ويبقى الأجر

باب السجن لا يغلق على أحد

يا رب خذ منا حتى ترضى

 

لإسلامي ولو حتى إلى الجدران شدوني ** لإسلامي ولو حتى إلى النيران زفوني

 

ضع في يدي القيد ألهب أضلعي ** بالسوط ضع عنقي على السكين

لن تستطيع حصار فكري ساعة ** أو نزع إيماني ونور يقيني

 

وغيرها الكثير .. كلها طمست..

 

إلا عبارة واحدة وجدتها بعد بحث..

رحم الله رجلا دخل هنا مسلما فخرج مؤمنا..

يا الله ما أعظمها.. وما اجملها..

تزيل جبالا من الكرب والهموم.. تبدد جيوشا من الظلام..

كم من شخص يدخل وفي إيمانه ضعف.. أو في عزيمته بعض الوهن.. فيختلي بالله عز وجل ويتقرب إليه بعبادات القلب التي يغفل الكثير عنها.. فيدعوه وحده ويعلق أمله به.. إذ انقطعت كل آماله بالناس من حوله.. فلا واسطة ولا قريب ينفع..

ويرجو رحمة ربه وحده.. ويخلص له في الصلاة ويطيل السجود.. ويبكي بغزارة عندما يذكر ذنوبه.. يشعر بمعنى كل تسبيحة وتحميدة وتهليلة..

 

ينوي إصلاح نفسه وأهله.. والدعوة إلى الله.. ويعزم عدم العودة إلى ذنوبه.. وإن كان مقصرا في صلاة الجماعة ينوي أن يلتزم بها في المسجد.. كل هذا وهو في زنزانته..

ما أجملها من نوايا..

وأخيرا ينوي أن لا يعود إلى السجن أبدا.. لكنه يعود وإن طال الزمان.. ^_^

 

رحم الله رجل دخل مسلما فخرج مؤمنا

 9/10/2013  بعد يوم من الإفراج من سجن المخابرات الفلسطينية

 

مذكرات عامين في سجون اليهود- 1 الإعتقال

24/07/2016
 
يظن البعض أن نسيان الآلام والمواجع أفضل من تذكرها، وهو ما أعتقده أيضا.. لكن آلام شعب ووطن عانى ويعاني شتى أصناف العذاب تحت حكم محتل خبيث أجدر ألا تنسى.. بل ويجب أن يعرف كل العالم عنها..
بالرغم من أنه قد مضى على يوم اعتقالي ما يقرب من 10 سنوات إلا أنني لا زلت أذكر ذلك اليوم جيدا.. أذكره بتفاصيله ومجرياته كاملا.. وكيف أنسى يوما انتزعت فيه من بين أهلي واقاربي.. حرمت فيه من الطعام والشراب، حرمت من تحريك يدي، بل وحتى من قضاء الحاجة ورؤية أي شيئ من حولي..
 

15/ أكتوبر/ 2007 

كنت حينها طالبا في بداية السنة الدراسية الثانية في جامعة النجاح الوطنية، تخصص الادب واللغة الإنجليزية، وكنت أعمل كمحفظ للقرآن الكريم في دار القرآن في بلدتي حوارة والتي تقع جنوب نابلس في الضفة المحتلة، وكان يوم الثلاثاء يوما حافلا حيث نظمنا رحلة لطلاب التحفيظ إلى الجبل، والرحل الجبلية تتطلب مجهودا بدنيا كبيرا بالإضافة إلى مهمة الإشراف على الطلاب وتنظيمهم وتطبيق برنامج الرحلة الذي ادخل السرور إلى قلوب الجميع بالإضافة إلى الفائدة..
عدت عند المساء منهكا تماما.. بالكاد استطيع جر خطواتي المتثاقلة.. دخلت البيت فوجدت امي قد حضرت العشاء، فقلت لها والله لا أجد له متسعا، فقد أكلت في الرحلة كثيرا، واكتفيت بشرب كأس من العصير، ثم أخبرت أهلي أنني سأقضي ليلتي في بيت عمتي، حيث كنت أقيم أكثر أيامي عندها بحكم انها تعيش وحدها بعد وفاة جدتي رحمها الله.. وفعلا غيرت ملابسي وذهبت هناك..
 

الإعتقال

16/ أكتوبر/ 2007 – الساعة الثانية والنصف ليلا-
مع أني كنت أغط في نوم عميق بسبب إرهاق اليوم الماضي إلا أنني استيقظت على صوت عمتي تتكلم على الهاتف بصوت مرتفع وأضواء البيت كلها مشتعلة.
– عنجد؟ طيب شو بدهم منه؟
هذا ما سمعته وأنا افتح أجفاني التي يقيدها النعاس..
قبل أن أسأل عمتي ماذا حصل بادرتني قائلة: الجيش محاصرين بيتكم وبدهم اياك، ايش في؟ شو عامل؟
لم أجد وقتا كافيا لأجيبها، قمت مسرعا، بدلت ملابسي.. ثم توجهت إلى الباب لأهرب، لكن! كان قد فات الأوان.. سمعت طرقا قويا وصراخا على الباب الأمامي.. وعرفت أنهم قد وصلوا.. توجهت إلى الباب الخلفي.. فإذا بالجنود قد احاطوا بالمنزل.. وقتها ايقنت اني لا بد واقع في ايديهم.. فقررت فتح الباب حتى لا يقومو بكسره او تفجيره.. وما ان فتحت الباب حتى وجدت نفسي ملقى على الأرض.. كل ما رأيته هو بنادق في وجهي وعشرات الجنود.. قاموا بامساك يدي والقائي على الأرض قبل أن يسألوني من انا ويتحققوا من بطاقتي الشخصية.. ووقتها اتصل الضابط بقيادته واخبرهم بأنني رهن الإعتقال..
قال لي الضابط اين جهازك الكمبيوتر.. قلت له في الداخل، ادخلني وبرفقته جنود كثر إلى الغرفة، وتقدم جندي مختص ليأخذ الذاكرة فلم يجدها، سالني أين هي؟ قلت له الجهاز معطل والذاكرة في التصليح.. فقاموا بأخذ كل حاجيتي من كتب واقراص كمبيوتر وهاتفي وحتى الكاميرا خاصتي.. ثم دفعوني خارج البيت.. وحينها وقفت عمتي وهي تبكي وحاولت أن تفهم من الجنود لماذا يعتقلوني فقام أحدهم بشدها من يدها ودفعها بقوة للداخل.. قغضبت وصرخت على الجندي إلى انهم شدوني واسرعوا بي.. وعلى بعد عدة امتار تفاجأت برؤية والدي.. تساءلت ما الذي جاء به هنا؟ فبيتنا يبعد كيلومتر تقريبا عن بيت عمتي، كما انها كان يرتدي ملابس النوم! لم أعرف إجابة لذلك إلا بعد 6 شهور في الزيارة الأولى التي تلقيتها من أهلي..
وهنا اود ان اضيف بعض الاحداث التي لم اشهدها وانما اخبرت عنها من خلال زيارات اهلي لي في السجن، وبعضها عرفته بعد الافراج عني..
وصل اليهود بيتي لاعتقالي.. وقبل ان يطرقوا الباب بدأوا بإلقاء القنابل الصوتية واطلاق الرصاص في الهواء لبث الرعب والارهاب.. وقاموا باقتياد اهلي خارج المنزل حيث عاثوا فيه فسادا، ولما لم يجدوني قاموا بضرب اخي الصغير محمود 13 عاما حينها ليقول لهم اين اختبئ، علما بأني لم اكن مختبئا، وقاموا باطلاق النار داخل بئر البيت وحفرة الامتصاص، ففقدت امي وعيها من هول الموقف.. ثم هددوا والدي بأنهم سوف يقتلونني ان لم يدلهم على مكاني، فاضطر خائفا علي ان يدلهم على بيت عمتي حيث اصطحبوه معهم مباشرة دون ان يسمحوا له بتبديل ملابسه، وبعد ان قاموا باعتقالي عادت قوة صهيونية اخرى مرة ثانية الى البيت لتفتيشه..
عندما بدأ الجنود باطلاق القنابل الصوتية والرصاص استيقظ الجيران ووقفوا على النوافذ، أحدهم كان يعرف اني لست في المنزل فاتصل على صديق له قريب لنا وأخبره بذلك فقام هذا القريب بالاتصال على بيت عمتي ليخبرها بالامر، لكن ذلك تأخر حتى وصلت القوة الصهيونية الى بيت عمتي..
وفي نفس تلك الليلة ايضا اغتالت القوات الصهيونية عدة مطلوبين في مدينة نابلس، 9 كم شمال حوارة، وقاموا باعتقال العشرات من الفلسطينيين من نابلس والبلدات المحيطة بها..
 
قام الجنود بربط يدي للخلف بـ ” مشد بلاستيكي ” وهو مؤلم جدا، كما قاموا بتعصيب عيني بقطعة قماش.. ولا زلت أذكر انني كنت ارتدي بلوزة صيفية ” نص كم”، وكان الجو وقتها باردا.. سار الجنود بي مسافة.. حيث أنهم وضعوا الجيبات والسيارات العسكرية بعيدا عن البيت وجاؤوا مشيا حتى لا أسمع صوت الدوريات واعرف بقدومهم واهرب..
 
المشد البلاستيكي الذي يستخدمه الصهاينة لتقييد الأسرى

المشد البلاستيكي الذي يستخدمه الصهاينة لتقييد الأسرى

 
أدخلوني إلى جيب الهمر.. صعد الجنود معي.. ورغم اني كنت معصب العينين إلى أنني شعرت أنني كنت ملقى على ارضية الجيب والجنود يجسلون من حولي.. حيث قاموا بضربي بأيديهم وارجلهم، للتسلية على ما يبدو لأنهم لم يسألوني أي شيئ.. وكانوا يضحكون.. وخصوصا عندما وضعوا شيئا ثقيلا على ظهري وكانه عجل احتياط للجيب او ما شابه..
 

في معسكر حوارة للإعتقال

سارت الدورية مسافة ليست بعيدة قبل ان تتوقف.. فعرفت أنهم أخذوني لمعسكر حوارة.. وهو معسكر مقام على أراضي بلدتي.. كان قد أقامه الجيش الأردني في القديم ثم احتله اليهود عام 1967.. وفعلا قاموا بإنزالي من الجيب.. وحينها كان فضل الله علي بان سقط جزء من العصبة عن عيني فرأيت امامي احد أصدقائي معتقلا ومقيدا.. حيث حاول المحققون الصهاينة لاحقا ان يخفوا انه معتقل ليتلاعبوا بي..
قام جندي بسحبي واجلسني على حجر في ساحة المعسكر.. ثم بدأ جندي يلقي أوامرا باللغة العبرية.. فسمعت صوت تجهيز السلاح، فظننت انها النهاية.. اعتقدت انهم سوف يطلقون النار علي.. ثم أصدر ذلك الضابط أمرا آخر.. فسمعت صوت الرصاص يسقط على الأرض.. وعرفت لاحقا ان الجنود يقومون بتفريغ اسلحتهم من الرصاص الذي كان معدا للإطلاق فور وصولهم إلى قواعدهم..
  
كان الجو بارد جدا.. كان جسمي يترجف من البرد القارس.. وحينها شعرت بدفئ اخترق قلبي حينما سمعت الأذان الي اعتدت سماعه.. فهو آذان المسجد الذي اصلي فيه.. – إيه، لن اصلي في المسجد اليوم.. أسأل الله أن يكتبها لي وكاني صليت في المسجد.. ثم حاولت استقبال القبلة وانا جالس على الحجر وصليت وأنا مقيد الأيدي إلى الخلف ومعصب العينين!
بعدها بفترة قصيرة تم اخذي إلى عيادة في المعسكر ليتاكدوا من وضعي الصحي.. وبعد إكمال الإجراءات تم تعصيب عيني وتقييدي مجددا لكن هذه المرة طلب الجندي مني ان ابقى واقفا ووجهي باتجاه الحائط، وهو ما يعرف بـ ” الشبح” رغم اني لم ادخل التحقيق بعد، لكن ذلك يدخل في اطار الضغط النفسي والارهاق الجسدي للاسير.. بقيت واقفا فترة طويلة.. حتى اذكر ان الشمس اشرقت واشتدت حرارتها وانا واقف.. وما كان يزيد ألمي هو تقييد يدي إلى الخلف والعصبة التي كانت شديدة على عيناي.. وفي النهاية لم استطع الوقوف اكثر فجلست.. فبدأي الجندي بالصراخ بالعبرية، فقلت له لن اقف ولا استطيع الوقوف فتركني بسبب اصراري والحاحي..
مرت ساعات عديدة على اعتقالي وشعرت بحاجة ضرورية للذهاب إلى الحمام.. ومع أني حاولت ان اصبر نفسي حتى لا أضطر لأطلب منهم، فقلت لعلهم يأخذوني غلى غرفة أو زنزانة بها حمام، إلا ان الوقت قد طال ولم يحصل ذلك، فلم اجد بدا من الطلب منهم.. فصرخت على الجندي: – حمام، بدي اروح على الحمام
فكان جوابه بالعبرية: “شيكت” ومعناها اخرس فاعدت طلبي واعاد جوابه فسكت لعدة دقاق.. لكن وضعي كان يشتد سوءا.. يداي تؤلمان بسبب المشد البلاستيكي، وعيناي تؤلمان بسبب عصبة العينين، والشمس بدأت تحرق جلدي وتشعرني بالدوار، فقد اصبح الوقت قبل الظهيرة، بالإضافة لمنعي من الذهاب إلى الحمام!
سمعت شخصا في مكان قريب حولي ينادي على الجندي بالعبرية:
– ” خيال، شيروتيم ” وتعني: جندي اريد حمام
لكن الجندي لم يستجب، فعرفت ان الطالب أسير مثلي..
بدأت ازعج الجندي اكثر بطلبي وإلحاحي، فترك المكان وذهب.. وقتها فكرت فعلا أن اقضي حاجتي في مكاني.. فهناك ظروف يمر بها المرء تجبره على التفكير بطرق مختلفة تماما.. بل والتصرف بطرق مختلفة ايضا.. فأعتقد أن تصرف الجندي الذي كاد يدفعني لأبول حيث اقف أو حتى في ملابسي هو ذات التصرف الذي قد يدفع غيري لتنفيذ عملي استشهادية او عمل انتقامي من افعالهم التي تنافي القيم والأعراف الإنسناية.. وأحمد الله ان ذلك لم يحصل ، فقد مر مجموعة من الجنود، سمعت صوتهم قريب مني، فصرخت: – شيروتيم، حمام، بدي اروح على الحمام
فال احدهم بالعربية: طيب، شوي بس
وفعلا جاء جندي وأخذني إلى الحمام، حيث قضيت حاجتي وانا معصب العينين، ومقيد الأيدي، لكن إلى الأمام هذه المرة..
بعد ذلك اعادوني إلى حيث كنت تحت اشعة الشمس، ومرت الساعات ثقيلة، ولم يتم تقديم اي طعام لي ولا حتى ماء، وكان الجنود يتناولون الطعام قريبا مني ويصدرون اصواتا ويضحكون ليستفزوني وبقية الأسرى.. وبقيت على تلك الحالة حتى اوشكت الشمس على الغروب.. حينها جاء جندي نادى اسمي، وتأكد أني انا الشخص الذي يريده، ثم قطع المربط البلاستيكي، فظننت ان الوضع سيتحسن، إلا انه وضع في يدي أصفادا حديدية تربط اليدين معا.. ثم وضع اصفادا في قدمي ايضا..
بعدها اركبوني في سيارة عسكرية غير مصفحة يسميها الأسرى ” الضبعة” لأنها تنقل الأسرى من المعسكر إلى مراكز التحقيق.. أجلسوني وحدي في غرفة حديدية وسط السيارة، وركب في الخلف جنديين وفي الامام جنديين وكلهم مسلحين.. لكنهم كانوا يخلتفون بلباسهم عن الجنود الذين اعرفهم.. وعرفت لاحقا ان هؤلاء الجنود تابعين لـ “النحشون” وهي شركة أمنية مختصة بنقل الأسرى، ومشهورة بسمعتها السيئة وتعاملها الفظ..
 
سيارة نقل الأسرى

سيارة نقل الأسرى الفلسطينيين – الضبعة بمصطلح الأسرى

 
سارت السيارة مسافة طويلة أظنها أكثر من ساعتين.. وجدت فيها فرصة لأتمدد قليلا على الكرسي لآخذ غفوة قصيرة، فلا أدري ما تخبأه الأيام لي.. وما اذكره جيدا أن سائق السيارة والجنود كانوا يطربون على سماع اغنية مصرية! يا لها من مفارقات عجيبة! وحينما وصلنا مركز التحقيق كانت الساعة تقريبا 9 مساءا.. حيث لم يتم تقديم الطعام لي هناك ايضا.. عرفت لاحقا أن إسم ذلك المكان هو مكز تحقيق الجلمة، أو كيشون بالعبرية، ويقع قرب حيفا..
وعندما أدخلوني إلى مركز التحقيق فك الجندي العصبة عن عيناي اللتين كانتا متورمتان.. وأذكر انني لم استطع رؤية شيئ لنصف ساعة او ساعة بعدها حيث ظلت عيناي معصوبتين لما يقارب 20 ساعة متواصلة!
 
يتبع في الجزء الثاني – التحقيق
 
 

شهداء حوارة خالد عودة والطيب ابو شحادة

24/07/2016
طيب أبو شحادة وخالد عودة
هي أرضنا المعطاء التي ما بخلت علينا يوما.. تستحق منا التضحية..
هي أخوة الدين.. ونصرة المظلوم وإعلاء كلمة الحق.. تستحق منا بذل الغالي والنفيس..
كما تمضي الأوقات السعيدة.. تمضي الأوقات الحزينة..
وكما تمضي ساعات البهجة والفرحة.. تمضي أيضا ساعات الألم والمحنة..
تمر الأيام بما فيها من خير وشر.. فمن رضي بقضاء الله تعالى فله الرضى.. ومن سخط فله السخط..
الذكريات في وطني تعيد نفسها كثيرا.. بل تفرض نفسها فرضا..
لكنها.. ليست ككل الذكريات..
هي أليمة حزينة.. ترتسم على الأزقة والجدران..
ترتسم على المنابر والمحابر..
ترتسم على وجوه تسبح في براءتها..
ترتسم على وجوه أرهقها الحنين والفراق..
 
 
بهذه الكلمات أفتتح الكتابة عن تلك الذكرى التي لم تغب عن مخيلتي.. وكيف تغيب وقد امتزجت فيها دماء المسلمين في غزة ودماء المسلمين في الضفة الغربية.. ودماء المسلمين في القدس المحتلة.. كيف تغيب وقد كنت شاهدا على همجية وعنجهية الإحتلال الصهيوني الذي قتل شابين يافعين من أخيار بلدتي حوارة..
لم تمض أشهر طويلة على حادثة الجمعة اليتيمة من رمضان، تلك الجمعة المباركة الحزينة.. حيث كانت القذائف تنهمر كالمطر على أهلنا في غزة.. وكانت الأحداث تتسارع.. والقلوب ترجو الله وتدعوه.. وتأمل خيرا في المجاهدين الذين أذاقوا اليهود الويلات وأبهروهم بعجيب صنيعهم من تكتيكات حربية.. وصناعات عسكرية.. وعمليات نوعية قضت مضاجعهم..
كنت في ذلك اليوم خطيب الجمعة في مسجد بلال بن رباح في بلدتي حوارة حيث كانت الخطبة عن نصرة غزة.. ثم قمنا بجمع التبرعات لأهلنا هناك بناء على طلب وزارة الاوقاف.. وسبحان الله كم كان كرم الناس رغم ان أكثرهم لا يثقون بالوزارة وبضمان وصول المال لأهلنا هناك إلا أنهم لم يبخلو بشيئ..
انقضت الصلاة وخرجت من المسجد، وقدر الله أن أمر بسيارتي من الشارع الرئيسي وسط البلدة، وأثناء مروري رأيت حشدا من الناس لا يتجاوزون العشرات تجمعوا بعد خروج المصلين من الجمعة في مسيرة سلمية نصرة لأهلنا في غزة.. وما أقصده بسلمية أنه لم تكن هناك أي نية مبيتة للقيام بأي أعمال مقاومة أو ما يسمونها بعنف ضد قوات الإحتلال وقطعان المستوطنين..
 

إستشهاد خالد عودة

أوقفت سيارتي على جانب الطريق.. ونزلت لأشارك في المسيرة.. وهو أقل ما نستطيع تقديمه.. وهناك التقيت بالشاب المؤدب المهذب خالد عزمي عودة ( رحمه الله)، سلمت عليه وسألته عن حاله، وكان مشرق الوجه، ومشينا سويا.. ولم نمش إلا امتارا معدودة حتى جاء مستوطن صهيوني بسيارته وأراد أن يمر من وسط المسيرة، والشارع يمر منه اليهود لأنه الطريق الوحيد لعدة مغتصبات صهيونية في المنطقة.. فلم يتمالك الشباب اعصابهم ومنظر أشلاء الاطفال والنساء في غزة تتراءى أمام أعينهم.. فانهالوا على سيارته ضربا بايديهم وارجلهم.. وفر كالجرذ مسرعا..
ثم بعدها بدقائق، مر مستوطن آخر.. وأراد ان يفعل ذات الشيئ.. فتفرقت المسيرة على طرفي الشارع.. ليس هربا وانما توزع الشباب لجمع الحجارة استعدادا لتحطيم سيارته.. واصابته فعلا بعض الحجارة قبل ان يعود مسرعا إلى الوراء.. وقتها شعرت أن الأمر أصبح أكثر جدية وخطورة حيث أن عشرات الرجال العزل يقفون في شارع مفتوح والمستوطنون يمرون بسياراتهم واسلحتهم، ويمكن لأي منهم أن يقوم بمجزرة بحق الناس.. ولم تكد الأفكار المتخاطرة تتوقف حتى عاد ذات المستوطن مسرعا مرة أخرى.. فتفرق الناس مجددا، لكن هذه المرة كان يقود السيارة بيد ويطلف النار بشكل عشوائي باليد الأخرى..
كان صوت الرصاص يصم الأذن.. فلم تكن المسافة بيني وبينه أكثر من ثلاثة أمتار.. وأول ما خطر في بالي أن إطلاق النار كان في الهواء ليس مباشرة على الناس.. لكن! ما إن نظرت حولي حتى رأيت الدماء على الأرض.. خلفي مباشرة.. رأيت خالد ملقى على الأرض.. وشاب آخر اسمه حسن يضع يده على رقبته والدماء تملأه.. واخر وآخر..
أسرعت إلى خالد، مسحت على وجهه، امسكت بيده، لم يكن واعيا.. كان الألم ظاهرا على وجهه.. قرأت عليه بعض الآيات قبل أن يحمله المسعفون ويهرعوا به إلى المستشفى..
وقتها التهب غضب الناس واشتد التوتر في البلدة.. وهرعت قوات كبيرة من جيش الاحتلال الصهيوني حيث اغلقوا الشارع الرئيسي بالكامل واندلعت مواجهات بينهم وبين الشباب العزل إلا من حجارة الأرض المباركة..
 
 
 
 
لم تمض ساعة حتى سمعنا بخبر استشهاد خالد رحمه الله تعالى.. وحينها أشتد غضب الشباب أكثر وبدأو برشق الجنود الصهيانة بالحجارة والزجاجات الحارقة وإلقاء الألعاب النارية عليهم..
 

إستشهاد الطيب أبو شحادة

 
كان مجموعة من الشباب مجتمعين في طرف الشارع وفي الطرف الآخر قوات كبيرة من جيش الإحتلال، لم تكن المسافة بين الطرفين اكثر من 100 متر.. كنت واقفا مع الشباب المجتمعين حين نزل شابين ملثمين أحدهما كان الطيب وألقيا زجاجات حارقة على الجنود انتقاما لخالد، فرد الجنود بإطلاق الرصاص الحي الذي كاد يصيب أحدنا، وأتبعو ذلك بزخة من قنابل الغاز المدمع.. ثم بعدها بوقت قصير قام مجموعة من الشباب بتوجيه علبة ألعاب نارية باتجاه الجنود وأطلقوها، فدب الرعب في قلوب الجنود الذي قاموا بإطلاق النار مباشرة على الشباب، جاء الطيب – رحمه الله – يجري من بعيد، مرتديا قناع ” الأنونيموس ” المشهور، وفي اللحظة التي كان الجندي يصوب سلاحه باتجاه السور الذي يختبئ خلفه الشباب وقف الطيب حاملا في يده الحجر ليلقيه، لكن قدر الله سبق! وكانت رصاصة الجندي الحاقد أسرع من الحجر.. فاخترقت رصاصة الغدر عين الطيب رحمه الله ليسقط والحجر في يده.. وفي نفس اللحظة انهمرت عشرات قنابل الغاز على المكان مما أدى لانعدام الرؤيا.. وبالكاد استطاع الشباب الموجودين سحبه..
سحبه الشباب إلى جانب بيت قريب، ويا للقدر العجيب، ان ذلك البيت كان بيته، فكان آخر العهد ان ينزف دمه الطاهر على عتبات البيت الذي تربى وعاش فيه حتى يكسيه هيبة وعزة الشهداء.. قال الشخص الذي كان بجانبه ” لم أعرف ماذا أفعل، فقد كان الغاز المدمع يحرق عيني، وعندما كشفت القناع عن وجهه كان ينزف بغزارة وقد فارق الحياة مباشرة، وما زاد هول الموقف أن ذلك حصل أمام عيني قريباته اللاتي كن يرقبن من سطح المنزل”..
سامر عودة 
 
 
إنها الشهادة.. فضل الله عز وجل الذي يؤتيه من يشاء.. هنيئا لمن يقتل في سبيل الله مناصرا لأخوانه المستضعفين في يوم الجمعة بعد أداء الصلاة وصائما لله تعالى.. والله إنه لفضل ونعمة.. فالله يصطفي الشهداء ويتخذهم.. وهي مرتبة لا ينالها أي أحد إلا من أحبه الله عز وجل..