لوحة صباحية

انتابني اليوم شعور عارم بالرغبة في الكتابة بينما كنت أمارس هوايتي المفضلة بالجري الصباحي في الطريق الذي يشق سهلا واسعا ممتدا بين بلدتي حوارة وبيتا، اختلطت ألوان السهل بين صفرة القمح الذي تأخر حصاده، وبين خضرة الذرة والبامية التي يقبل الناس على زراعتها في الصيف، وبين اللون اللبني، لون الأرض التي حُصدت ودُرست واقتاتت المواشي على ما تبقى فيها.. امتزج ذلك المشهد الأرضي بلوحة سماوية جميلة، خالطت زرقتها بعض غيوم الصيف العابرة.. بيضاء تبدو حينا ورمادية حينا آخر.. وكانت أشعة الشمس تبدو حينا وتختفي حينا.. فيبدو المشهد أجمل..

لم تكن السماء بعيدة عن الأرض.. فقد كانت لوحة واحدة.. توسطها جبل كبير.. عمره بعمر الأرض والحب.. جذوره مغروسة في الأرض.. وقمته في غرب السماء.. كنت أظنه في صغري يخفي بيت الشمس.. فقد كانت تختفي وتتلاشى اشعتها بمجرد نزولها خلفه.. هو جبل أصيل لا يتراكم على ذكرياتي فيه غبار النسيان أبدا.. فقد اعتدت منذ صغري التجوال في أرجاءه بحثا عن أعشاش طيور الحجل.. ومتابعة آثار الغزلان التي قلما نراها اليوم..

فيه شجرة خروب مسنة.. لكن الماء الذي يتدفق في عروقها يبقي روحها شابة دائما.. كيف لا والهواء الذي يحرك أوراقها لا يلوثه دخان السيارات ولا غبار مقالع الحجر؟ كنت اشعر دائما أنها تعطينا ظلا مميزا باردا وهواء منعشا بشكل مختلف عن بقية الأشجار.. كأنها جدة تشفق على حفيد لها من حر لاهب وأشعة حارقة..

وفي مكان قريب من شجرة الخروب تصطف صخور كبيرة غاب أكثرها تحت الأرض وظهرت منها أجزاء اعتاد الناس الجلوس عليها.. كانت معالمها حزينة.. نعم، حزينة.. قد شقت المياه الضعيفة فيها قنوات.. ونمت نباتات الزعتمان في حفر تركها الزمن فيها.. ونمت الطحالب على وجهها وكأنها تجاعيد مرسومة على وجه عجوز تجاوزت التسعين..

في ذلك الجبل تنتثر بعض أشجار اللوز والتين والعنب وكثير من أشجار الزيتون، وأكثر من ذلك بكثير تنتشر شجيرات “النتش” التي تصبغ الجبل بلونها.. وتسكنه كائنات كثيرة لا أعرف من بينها أجمل من غزال فلسطين..

وفوق كل ذلك الجمال الذي امتزجت فيه عناصر السهل والجبل والأرض والسماء، وامتزجت فيه ألوان الطبيعة البهية، كان هناك جمال خفي ينبعث من روائح الأرض والأشجار.. وروائح دخان حطب اللوز والسرو.. وينبعث من صوت طيور الصباح التي تسعى باكرة في طلب رزقها المقسوم.. إحساس عميق فوق الوصف.. لم أكن أشعر بأني أسمع بأذني أو أشم بأنفي.. كنت أشعر بأن قلبي فقط هو من تولى كل شيء..

كنت ولا زلت وسأظل أحس بعلاقة دائما مع كل شيء من حولي.. سواء كان حيا أو جمادا.. فأنا أؤمن بالبعد الحسي لكل شيء.. نعم، حتى الجمادات لها بعد حسي ينعكس في عقولنا وقلوبنا فيترك أثرا.. قد ترى بعينيك أبعادا غير ملموسة لا يراها غيرك.. وقد تغوص في خيالك إلى ماضي الأشياء وتحسها حية.. حية وكأنها تفرح بقدومك وتفتقد غيابك.. تتذكرها عندما تضع رأسك على الوسادة بل وتحلم بها.. حينها ستدرك تماما أنك وصلت حد الإشباع من الحب.. وسينتابك شعور عارم بالرغبة في الكتابة!

 

اترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.


%d مدونون معجبون بهذه: