من العاق؟ أنا أم أبناؤه .. قصة خيالية تجسد الواقع المرير

من العاق؟ أنا أم أبناؤه .. قصة خيالية تجسد الواقع المرير

 

من العاق أنا أم أبناؤه

لم يتبق سوى يومين على قدوم عيد الأضحى .. ذاك العيد المبارك الذي يعم فيه الخير والبركة ويدخل فيه السرور على قلوب الناس.. فيكبرون ويهللون ويحمدون الله.. وهم يستشعرون بقلوبهم رحمة الله التي تتنزل على عباده في موسم الحج..
في العيد.. تجد الرجال منشغلين بذبح الأضاحي وتجهزيها وتوزيعها للفقراء والمحتاجين والأقارب.. والنساء يعددن حلوى العيد وأباريق القهوة التي أصبحت عرفا في بلادنا.. أما الأطفال فهم أصحاب الحظ الأوفر في العيد.. فالعيد بالنسبة لهم هو جمع نقود وشراء ألعاب.. فتراهم منتشرين في الشوارع حاملين بنادقهم ورششاتهم البلاستيكية ويخوضون اشتباكات عنيفة فيما بينهم وهم في سعادة تامة..

توجهت إلى مجمع السيارات بعد أن اشتريت بعض الحاجيات الضرورية واللوازم للعيد من سوق المدينة، والذي كان يعج بالناس، الرجال والنساء، الشباب والشابات، الأطفال والشيوخ، العمال والموظفين، وكل أصناف المجتمع. كلهم منهمكون بالشراء والتحضير والتجهيز. محلات الملابس والحلويات تغص بالمشترين.. ولا تكاد تعي شيئا من الضجة المحيطة..

فمنادٍ ينادي على بضاعته.. وآخر يدعو إلى مؤسسته.. وآخر يصرخ ليدل على بسطته.. ورابع ينادي على صاحبه.. وطفل يبكي يريد شراء لعبة وأمه تجره من يده.. والنساء يفاصلن أصاحب المحلات.. وأصحاب المحلات يحلفون ويقسمون.. ورجل يشق بعربته التي يدفعها أمامه صفوف الناس ويصرخ على هذا وذاك ان ابتعد من الطريق – وكأن الطريق له-..

قلما ترى شخصا لا يحمل في يده شيئا.. فالكل هنا ليشتري ويبيع.. إلا من فقد الحياء من الشباب والشابات الذين يخرجون للأسواق من دون غاية سوى معصية الله عز وجل.
بعد أن شققت طريقي بصعوبة خارج السوق المزدحم بالناس والبسطات والعربات، توقفت قليلا وجلست على إحدى المقاعد العامة لأستنشق بعض الهواء النقي بعد تلك الأزمة .. فإذا برجل مسن يخرج من وسط الزحام  ويبدو في ملامح وجهه هموم وآلام تراكمت في سنين عمره.. وكأنه عاش مأتي عام يبحث عن فرح أو سعادة  مفقودة..
كان يحمل في يديه ثلاثة أو أربعة أكياس تبدو أنها ثقيلة، وعرقه يتصبب، شعرت وكأن معظم الأمراض التي أعرفها فيه.. فقد كان يمشي بثقل.. ويلتقط نفسه بصعوبة..
فبدأت تتخاطر في ذهني أسئلة كثيرة.. وهو يخطو باتجاه المقعد الذي أجلس عليه..

فاجتاحت مخيلتي اسئلة كثيرة..

– أين أبناء هذا الرجل؟ أين بناته؟
– هل هم مشغولون؟
– هل هم مسافرون؟
– هل هم في مدينة ثانية؟
– هل هجروه وتركوه وحيدا؟
– هل وضعوه في ملجئ للعجزة؟
أين زوجته؟ هل هي ميتة، أم مريضة؟
– يبدو أنهم عاقين له.. (وصرت أستذكر بعض قصص العقوق التي كنت قد سمعتها وقرأت عنها)..

ومن إن وصل إلى جانبي حتى بادرني قائبل:
– “السلام عليكم ورحمة الله، ممكن أجلس جنبك يا ابني” .
– “أكيد، تفضل يا عمي” . وأفسحت له مجالا بجانبي.
– “كيف حالك يا ولدي، عساك بخير” .
– “الحمد لله أنا بخير”.
– “حقا هو إله يستحق الحمد.. فما أكثر نعمه وآلاءه علينا.. وللأسف كثير من الناس يردون نعمه بالمعاصي بدل الشكر والحمد”..

شعرت بكلمات هذا الرجل وكأنها غراس راسخة تخترق القلب لتنمو وتثمر طيبة وحسن خلق وعمل .. خصوصا لنبرته الإيمانية الواضحة التي تطغى على كلامه.

– “كيف حالك أنت يا عم.. أراك متعبا”..
– “أنا دائما بخير ما زال هذا صافيا”. وأشار إلى قلبه.. “أما الجسد، فلا أطمع بأن أبقى طوال حياتي شابا، فالكبر والهرم سنة من سنن الله الثابتة في هذا الكون.. وأيضا لا أطمع بأن أبقى طوال حياتي معافى، لأن المرض أيضا سنة من سنن الله، وأحتسبها كفارة للذنوب وطهورا إن شاء الله”.
– “كم عمرك يا عم”. سألت وأنا أرى في عينيه صورة للسنين الطويلة التي كابدها..
-أجاب وهو يبتسم.. “لا أعرف، أعرف فقط أنه مضى من عمري ستون عاما”..
-ابتسمت بخجل، وقلت له بحياء: “هناك شيئ يتخاطر في بالي وأود أن أسألك عنه”..
– “تفضل اسأل”.. أجاب وهو يبتسم..
– “لماذا أنت في السوق وحدك؟.. أقصد أين أبناؤك؟ لماذا لا يشترون عنك الأغراض أو يحملونها بدلا منك؟…”
– تنهد الرجل تنهيدة حزينة وشخص ببصره إلى السماء.. وسكت قليلا بينما ترقرقت دمعتان حارقتان في عينيه.. فسارعت قائلا: “أنا آسف يا عماه، اعذرني ربما سؤالي ليس في مكانه”..
– “لا لا.. سؤالك عادي.. فأي شخص يرى رجلا كبيرا مريضا مثلي يسير مترنحا في سوق مزدحم وهو يحمل مجموعة من الأكياس الثقيلة قد يتساءل نفس التساؤل”..
– “ما إسمك يا ولدي العزيز”.. سأل وكأنه يسترجع صفحات مريرة أو حزينة في قلبه..
– “إسمي أسامة”.. أجبت وأنا أنتظر إجابته التي يستجمعها بعقله وقلبه.
-“ولدي إسامة.. عندي ثلاثة أبناء وابنة.. الكبير عماد والأوسط جهاد وفارس وسمية توأمان .. أقلهم يحفظ عشرين جزءا من القرآن..
عماد – الله يرضى عنه- هاجر ولم يعد منذ سبع سنوات، ثم لحق به فارس. اما جهاد كان طالبا في كلية الهندسة قبل أن يترك الجامعة ويلتحق بأخويه ايضا..
أما ابنتي سمية التي حفظت القرآن وهي صغيرة فقد فارقتني أيضا”.. واغرورقت عينيه بالدموع ثانية..
شعرت بحزن يعتصر قلبي.. كيف يعق أبناء أهلهم؟!.. وخصوصا عندما  يكبرون ويحتاجونهم.. وعندما يتصف ابناءهم بالإلتزام وممن يحملون في صدورهم القرآن..

– قلت له وأنا أشعر بكره لأولاده دون أن أراهم: ” لكن لماذا فعلوا ذلك؟ لماذا تركوك وهاجروا؟..!!!
– أجاب وهو يبتسم بحزن وعينيه لا زالتا باتجاه السماء: ” لكنك لم تفهم ما قلته يا ولدي.. أو ما قصدته” ..

– إبني عماد.. حافظ القرآن، تربى في المسجد، عرفه الجميع بأخلاقه المتميزة وحبه لفعل الخير، تخرج من الجامعة بتقدير ممتاز في تخصص الرياضيات، ثم خطب فتاة جميلة متدينة من عائلة كريمة، وكان يستعد للزفاف… إلا أن الأحداث الملتهبة في ارضنا المباركة جعلته ممن باعوا انفسهم بجنة عرضها السماوات والأرض… فلبى نداء ربه…. فهاجر إليه مجاهدا عندما لبس حزامه وودع دنياه و وخطيبته وجعل من نفسه فداءا لدينه وأرضه وعرضه فكان قنبلة حية دكت حصون اليهود التي طغت في الأرض فسادا.. أحتسبه عند الله..

ابني جهاد كان شابا وسيما بهي الطلة، كان بارا بي وبأمه، حتى أنه كان يحمل لي الحذاء.. قام هو ايضا بعملية جهادية مع أخيه فارس في شهر رمضان قبل خمس سنين.. فاستشهد جهاد وأصيب فارس إصابات بليغة.. استشهد على إثرها بعد شهرين..
فارس وسمية كانا توأمين وصديقين.. كانا يأتمنان بعضهما على أسرارهم.. كانت سمية متعلقة جدا بفارس وتلجأ إليه في أي مشكلة أو ضيق أو حزن، خصوصا أنها كانت الوحيدة بين الذكور الثلاثة. تسابقت معه في حفظ القرآن.. فكان لها السبق، وتوقف هو عن الحفظ عندما دخل الثانوية العامة..

لم تتحمل زوجتي أم عماد ما حل بها من مصاب، فتدهورت صحتها كثيرا.. ثم قضت، قهرا وهما وحزنا، عندما اعتقلت ابنتي الحبيبة سمية”.. وترقرقت الدموع في عينيه “نعم، لقد اعتقلها اليهود، وزجوا بها في غياهب سجونهم وصرات رقما يضاف الى آلاف من الأسرى البواسل خلف قضبان الأسى”

وقفت مصدوما لما سمعت وشعرت بصواعق تخترق جسمي، وسيوف تمزق قلبي، ببعدما قاله الرجل … أحسست وكأنني إنسان دخيل غريب على هذه الدنيا.. كأنني إنسان لا قيمة له.. بل وكأني مجرم ومذنب ذنبا لا يغفر، عندما تسرعت في ظنوني بأبناء هذا الرجل..
لم أتمالك نفسي.. أرخيت رأسي وأخفيت وجهي بين يدي..  ورحت أبكي بحرارة وحرقة.. وأنا أتساءل: ماذا فعلت أنا؟ ماذا قدمت لديني؟ ماذا قدمت لمثل هؤلاء الأشخاص الذين باعوا دنياهم بأخراهم؟ ماذا قدمت لأهل هؤلاء الأبطال..
أنا الذي أحتسب نفسي شابا ملتزما.. ماذا فعلت شيئا مميزا؟ أصلي في المسجد؟ أقرأ القرآن؟ أصوم النوافل؟ أسمع بعض الدروس وأقرأ بعض الكتب؟ وماذا بعد؟ ماذا؟ هل هذا هو الإسلام  فقط؟؟؟ صلاة وقراءة قرآن وقراءة كتب وسماع دروس؟؟؟

– متى سأشعر بواجبي تجاه أهالي الأسرى والشهداء؟؟

– متى سأحس بالمسؤولية تجاه أخواتي الحرائر اللاتي يقبعن في سجون الحقد اليهودي؟

– متى سأبحث عن طريق الشهادة.. التي طالما دعوت الله أن يرزقني إياها؟

– متى سأحيي أفكاري بدمائي؟ وأنا أعرف أن أفكار الحق لا تحيى إلا بدماء المخلصين..

– متى سأعرف ان الكريم الحر ليس له عمر في زمن الذل والهوان..
– متى سأستيقظ؟؟؟؟؟ متى سأصحو؟؟؟؟؟؟

– أحسست بيد حانية تربت على ظهري برفق، وسمعت أبو عماد يقول لي: ” هون عليك يا أسامة.. وتذكر دائما ان الدنيا قصيرة.. فاجعل رحلتك فيها نشرا للخير ودفعا للظلم؟”

-أمسكت بيده ورحت أقبلها وأنا أبكي كطفل صغير، وأنا أقول له سامحني يا عم، أرجوك.. أرجوك سامحني.. وأنا أردد في نفسي: والله ما العاق بهذا الرجل إلا أنا.. وأمثالي..

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , ,

اترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: