شهداء حوارة خالد عودة والطيب ابو شحادة

طيب أبو شحادة وخالد عودة
هي أرضنا المعطاء التي ما بخلت علينا يوما.. تستحق منا التضحية..
هي أخوة الدين.. ونصرة المظلوم وإعلاء كلمة الحق.. تستحق منا بذل الغالي والنفيس..
كما تمضي الأوقات السعيدة.. تمضي الأوقات الحزينة..
وكما تمضي ساعات البهجة والفرحة.. تمضي أيضا ساعات الألم والمحنة..
تمر الأيام بما فيها من خير وشر.. فمن رضي بقضاء الله تعالى فله الرضى.. ومن سخط فله السخط..
الذكريات في وطني تعيد نفسها كثيرا.. بل تفرض نفسها فرضا..
لكنها.. ليست ككل الذكريات..
هي أليمة حزينة.. ترتسم على الأزقة والجدران..
ترتسم على المنابر والمحابر..
ترتسم على وجوه تسبح في براءتها..
ترتسم على وجوه أرهقها الحنين والفراق..
 
 
بهذه الكلمات أفتتح الكتابة عن تلك الذكرى التي لم تغب عن مخيلتي.. وكيف تغيب وقد امتزجت فيها دماء المسلمين في غزة ودماء المسلمين في الضفة الغربية.. ودماء المسلمين في القدس المحتلة.. كيف تغيب وقد كنت شاهدا على همجية وعنجهية الإحتلال الصهيوني الذي قتل شابين يافعين من أخيار بلدتي حوارة..
لم تمض أشهر طويلة على حادثة الجمعة اليتيمة من رمضان، تلك الجمعة المباركة الحزينة.. حيث كانت القذائف تنهمر كالمطر على أهلنا في غزة.. وكانت الأحداث تتسارع.. والقلوب ترجو الله وتدعوه.. وتأمل خيرا في المجاهدين الذين أذاقوا اليهود الويلات وأبهروهم بعجيب صنيعهم من تكتيكات حربية.. وصناعات عسكرية.. وعمليات نوعية قضت مضاجعهم..
كنت في ذلك اليوم خطيب الجمعة في مسجد بلال بن رباح في بلدتي حوارة حيث كانت الخطبة عن نصرة غزة.. ثم قمنا بجمع التبرعات لأهلنا هناك بناء على طلب وزارة الاوقاف.. وسبحان الله كم كان كرم الناس رغم ان أكثرهم لا يثقون بالوزارة وبضمان وصول المال لأهلنا هناك إلا أنهم لم يبخلو بشيئ..
انقضت الصلاة وخرجت من المسجد، وقدر الله أن أمر بسيارتي من الشارع الرئيسي وسط البلدة، وأثناء مروري رأيت حشدا من الناس لا يتجاوزون العشرات تجمعوا بعد خروج المصلين من الجمعة في مسيرة سلمية نصرة لأهلنا في غزة.. وما أقصده بسلمية أنه لم تكن هناك أي نية مبيتة للقيام بأي أعمال مقاومة أو ما يسمونها بعنف ضد قوات الإحتلال وقطعان المستوطنين..
 

إستشهاد خالد عودة

أوقفت سيارتي على جانب الطريق.. ونزلت لأشارك في المسيرة.. وهو أقل ما نستطيع تقديمه.. وهناك التقيت بالشاب المؤدب المهذب خالد عزمي عودة ( رحمه الله)، سلمت عليه وسألته عن حاله، وكان مشرق الوجه، ومشينا سويا.. ولم نمش إلا امتارا معدودة حتى جاء مستوطن صهيوني بسيارته وأراد أن يمر من وسط المسيرة، والشارع يمر منه اليهود لأنه الطريق الوحيد لعدة مغتصبات صهيونية في المنطقة.. فلم يتمالك الشباب اعصابهم ومنظر أشلاء الاطفال والنساء في غزة تتراءى أمام أعينهم.. فانهالوا على سيارته ضربا بايديهم وارجلهم.. وفر كالجرذ مسرعا..
ثم بعدها بدقائق، مر مستوطن آخر.. وأراد ان يفعل ذات الشيئ.. فتفرقت المسيرة على طرفي الشارع.. ليس هربا وانما توزع الشباب لجمع الحجارة استعدادا لتحطيم سيارته.. واصابته فعلا بعض الحجارة قبل ان يعود مسرعا إلى الوراء.. وقتها شعرت أن الأمر أصبح أكثر جدية وخطورة حيث أن عشرات الرجال العزل يقفون في شارع مفتوح والمستوطنون يمرون بسياراتهم واسلحتهم، ويمكن لأي منهم أن يقوم بمجزرة بحق الناس.. ولم تكد الأفكار المتخاطرة تتوقف حتى عاد ذات المستوطن مسرعا مرة أخرى.. فتفرق الناس مجددا، لكن هذه المرة كان يقود السيارة بيد ويطلف النار بشكل عشوائي باليد الأخرى..
كان صوت الرصاص يصم الأذن.. فلم تكن المسافة بيني وبينه أكثر من ثلاثة أمتار.. وأول ما خطر في بالي أن إطلاق النار كان في الهواء ليس مباشرة على الناس.. لكن! ما إن نظرت حولي حتى رأيت الدماء على الأرض.. خلفي مباشرة.. رأيت خالد ملقى على الأرض.. وشاب آخر اسمه حسن يضع يده على رقبته والدماء تملأه.. واخر وآخر..
أسرعت إلى خالد، مسحت على وجهه، امسكت بيده، لم يكن واعيا.. كان الألم ظاهرا على وجهه.. قرأت عليه بعض الآيات قبل أن يحمله المسعفون ويهرعوا به إلى المستشفى..
وقتها التهب غضب الناس واشتد التوتر في البلدة.. وهرعت قوات كبيرة من جيش الاحتلال الصهيوني حيث اغلقوا الشارع الرئيسي بالكامل واندلعت مواجهات بينهم وبين الشباب العزل إلا من حجارة الأرض المباركة..
 
 
 
 
لم تمض ساعة حتى سمعنا بخبر استشهاد خالد رحمه الله تعالى.. وحينها أشتد غضب الشباب أكثر وبدأو برشق الجنود الصهيانة بالحجارة والزجاجات الحارقة وإلقاء الألعاب النارية عليهم..
 

إستشهاد الطيب أبو شحادة

 
كان مجموعة من الشباب مجتمعين في طرف الشارع وفي الطرف الآخر قوات كبيرة من جيش الإحتلال، لم تكن المسافة بين الطرفين اكثر من 100 متر.. كنت واقفا مع الشباب المجتمعين حين نزل شابين ملثمين أحدهما كان الطيب وألقيا زجاجات حارقة على الجنود انتقاما لخالد، فرد الجنود بإطلاق الرصاص الحي الذي كاد يصيب أحدنا، وأتبعو ذلك بزخة من قنابل الغاز المدمع.. ثم بعدها بوقت قصير قام مجموعة من الشباب بتوجيه علبة ألعاب نارية باتجاه الجنود وأطلقوها، فدب الرعب في قلوب الجنود الذي قاموا بإطلاق النار مباشرة على الشباب، جاء الطيب – رحمه الله – يجري من بعيد، مرتديا قناع ” الأنونيموس ” المشهور، وفي اللحظة التي كان الجندي يصوب سلاحه باتجاه السور الذي يختبئ خلفه الشباب وقف الطيب حاملا في يده الحجر ليلقيه، لكن قدر الله سبق! وكانت رصاصة الجندي الحاقد أسرع من الحجر.. فاخترقت رصاصة الغدر عين الطيب رحمه الله ليسقط والحجر في يده.. وفي نفس اللحظة انهمرت عشرات قنابل الغاز على المكان مما أدى لانعدام الرؤيا.. وبالكاد استطاع الشباب الموجودين سحبه..
سحبه الشباب إلى جانب بيت قريب، ويا للقدر العجيب، ان ذلك البيت كان بيته، فكان آخر العهد ان ينزف دمه الطاهر على عتبات البيت الذي تربى وعاش فيه حتى يكسيه هيبة وعزة الشهداء.. قال الشخص الذي كان بجانبه ” لم أعرف ماذا أفعل، فقد كان الغاز المدمع يحرق عيني، وعندما كشفت القناع عن وجهه كان ينزف بغزارة وقد فارق الحياة مباشرة، وما زاد هول الموقف أن ذلك حصل أمام عيني قريباته اللاتي كن يرقبن من سطح المنزل”..
سامر عودة 
 
 
إنها الشهادة.. فضل الله عز وجل الذي يؤتيه من يشاء.. هنيئا لمن يقتل في سبيل الله مناصرا لأخوانه المستضعفين في يوم الجمعة بعد أداء الصلاة وصائما لله تعالى.. والله إنه لفضل ونعمة.. فالله يصطفي الشهداء ويتخذهم.. وهي مرتبة لا ينالها أي أحد إلا من أحبه الله تعالى..
 
 
Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , ,

رد واحد to “شهداء حوارة خالد عودة والطيب ابو شحادة”

  1. أنا والموت.. ذكريات مؤلمة من فلسطين | مقالات وخواطر عابرة Says:

    […] خالد عودة وطيب شحادة الذين قُتلا امام عيني وقربي.. وكنت قد  كتبت عنهما بشكل منفصل.. وغيرها مما أوجع قلبي وفطر فؤادي وانا مكتوف […]

    إعجاب

اترك تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: